
كريم كان واقف عند الباب، ملامحه مهزوزة بين الرعب من وجودي وبين الصدمة من الكلام اللي سمعته عن كاتي. بص لكاتي بنظرة تايهة وقال بصوت مرتعش: “كلام آية ده صح؟ إنتي كنتي بتحولي فلوس لحسابك الخاص من ورايا؟” كاتي، اللي كانت بتمثل دور الحمل الوديع، وشها اتغير تماماً. ملامحها بقت حادة، وضحكت ضحكة صفرا وقالت له: “وأنت كنت فاكر إيه يا كريم؟ إننا بنلعب بيت بيوت؟ اللي يبيع مراته اللي وقفت جنبه وعملت له كيان، طبيعي يتباع في أول محطة.”
وقفت أنا في نص الأوضة، أتفرج على “الخناقة” اللي خططت لها ببرود شديد. كريم هجم على الترابيزة ومسك الورق، بدأ يقرأ الأرقام والتحويلات، وعينيه كانت بتطلع شرار. بصيت له وقلت بهدوء: “عارف يا كريم.. نادية كانت بتسرق بجهل، لكن كاتي كانت بتسرق بذكاء.. الذكاء اللي أنا علمتهولها. بس اللي هي ما تعرفوش، إن الحساب اللي في دبي ده.. أنا اللي قفلته النهاردة الصبح ببلاغ رسمي عن عمليات غسيل أموال.” كاتي صرخت: “إنتي كدابة! م تقدريش تعملي كدة!”
قلت لها بابتسامة نصر: “تقدري تتأكلي من تليفونك.. أو استني مكالمة البنك.” كريم لف لي وهو بيحاول يمسك إيدي، بس سحبتها بسرعة وكأني لمست نار. قال لي بترجي: “آية.. أنا غلطت.. نادية هي اللي ملت دماغي، وكاتي هي اللي أغرتني.. أنا كنت مغيب.. بس إحنا لسه شركاء، والورق اللي مضيته الصبح…” قاطعته بضحكة عالية: “الورق اللي مضيته الصبح يا كريم هو اللي هيخليك تقضي بقية حياتك بتسدد مديونيات للشركة اللي إنت فاكر إنك بتملكها. إنت مضيت على إقرار بذمة مالية، وبصفتي المديرة المالية والمفوضة الوحيدة، أنا قدمت الورق ده للبنك وللمحامي قبل ما آجي هنا بساعة.”
في اللحظة دي، تليفون كريم رن.. كانت نادية. فتح السبيكر وهو مش دريان بنفسه، نادية كانت بتصرخ: “الحق يا كريم! الشرطة في الشركة، وبيسألوا عنك وعن فواتير قديمة، وبيقولوا إن فيه تلاعب في الضرائب!” بصيت لكريم وقلت له: “نادية كانت فاكرة إنها شاطرة، بس أنا سبت لها ‘خرم’ صغير في الحسابات تقع فيه.. والنهاردة الخرم ده بقى حفرة هتاخدها هي وإنت وكاتي.” كاتي بدأت تلم شنطتها وهي بتنهج: “أنا مش هقعد هنا.. إنتي مش هتحبسينا يا آية.”
قلت لها وأنا بفتح باب الشقة عشان أمشي: “أنا مش هحبس حد.. القوانين هي اللي بتعمل كدة. بس قبل ما أمشي، فيه مفاجأة أخيرة في العربية تحت.” نزلت وهما ورايا، كريم بيحاول يرضيني وكاتي بتحاول تهرب. أول ما وصلنا عند العربية، كان فيه راجل واقف مستني، لابس بدلة رسمية ومعاه محضر. بص لكريم وقال: “أستاذ كريم؟ حضرتك مطلوب للتحقيق بخصوص البلاغ المقدم من السيدة آية، وبخصوص إقرارات المديونية.”
بصيت لكاتي اللي كانت هتم*وت من الغيظ وقلت لها: “على فكرة يا كاتي.. فستان الفرح اللي في الصورة كان شيك أوي.. بس خسارة، هيفضل مجرد صورة على الحيطة في شقة هتحجز عليها المحكمة بكره.” ركبت عربيتي، ودوّرت الموتور. كريم خبط على الإزاز وهو بيبكي: “آية.. سامحيني.. أنا بحبك!” فتحت الإزاز حتة صغيرة وقلت له: “الحب مش صالونات ولا عِشرة يا كريم.. الحب أمان.. وإنت بعت الأمان عشان ‘صورة’ على حيطة.” طلعت بالعربية وأنا شايفة في المراية نادية واصلة بعربيتها وهي بتصوت، والشرطة بتحاوط المكان.
لكن وأنا ماشية، جالي إشعار على تليفوني.. رسالة من رقم مجهول مكتوب فيها: “فاكرة إنك خلصتي يا آية؟ اللعبة الكبيرة لسه بتبدأ.. وإنتي مش لوحدك اللي بتعرفي تلعبي بالأرقام.” فرملت فجأة في نص الطريق.. وقلبي دق بسرعة. مين ده؟ وإيه اللي لسه مستخبي؟ حكايات رومانى مكرم الرسالة كانت كفيلة تخلي جسمي يتنفض، رغم الثبات اللي كنت بظهره قدامهم. ركنت العربية على جنب، وإيدي بتترعش وأنا بقرأ الكلمات تاني: “اللعبة الكبيرة لسه بتبدأ.. وإنتي مش لوحدك اللي بتعرفي تلعبي بالأرقام.”
مين اللي يعرف الباب الخلفي للسيستم غيري؟ مين اللي يقدر يراقب تحركاتي بالدقة دي؟ فجأة، افتكرت حاجة خلت قلبي يقع في رجلي. “نيمو محمد”.. المهندس اللي ساعدني في تأسيس السيستم التقني للشركة من سنتين. نيمو مكنش مجرد مهندس، ده كان عبقري برمجيات، وأنا اللي اخترته بنفسي وكنت بثق فيه جداً. فتحت اللاب توب وبدأت أدور في سجل الدخول (Access Logs). لقيت كارثة.. فيه حد بيدخل على الحسابات “بصلاحياتي أنا” ومن جهاز “أنا” بستخدمه! ده معناه إن جهازي متراقب ومخترق بالكامل.
في اللحظة دي، تليفوني رن.. كان رقم “نيمو”. رديت وصوتي متحجر: “أيوة يا نيمو.” جالي صوته الهادي، بس المرة دي كان فيه نبرة سخرية: “مبروك يا آية.. خلصتي من كريم وكاتي ببراعة. بس نسيتي أهم قاعدة في البيزنس.. مفيش حد بيشتغل لوحده.” قلت له بحدة: “إنت عايز إيه يا نيمو؟ إنت اللي باعت الرسالة؟”
ضحك وقال: “أنا مجرد وسيط.. نادية مش غبية زي ما إنتي فاكرة. نادية كانت عارفة إنك هتكشفيها، فجابتني عشان أأمن لها ‘طريق هروب’. الفلوس اللي إنتي فاكرة إنك جمدتيها في دبي؟ دي كانت طعم يا آية.. الفلوس الحقيقية اتحولت ‘كريبتو’ (عملات رقمية) من تلات ساعات، ومحدش في العالم يقدر يرجعها.” الدنيا دارت بيا. نادية.. الست اللي كنت بضحك على جهلها، كانت بتلعب بيا وبكريم وبالكل! كانت بتدعي الهبل وهي بتخطط لإفلاسنا كلنا وتهرب بالثروة الحقيقية.
نيمو كمل كلامه: “نادية دلوقتي في طريقها للمطار.. ومعاها العقود الأصلية للأراضي اللي إنتي كنتي فاكرة إنك أمنتيها. العقود دي باسم شركة تانية خالص إنتي مضيتي عليها بالخطأ وسط ورق المديونية بتاع كريم.” قفلت السكة في وشه وأنا مش قادرة أتنفس. الثقة.. هي فعلاً أخطر سلاح، بس المرة دي السلاح كان متوجه لصدري أنا. نادية استغلت انشغالي بالانتقام من كريم وكاتي، وخلتني أعمى عن الخطر الحقيقي. طلعت بسرعة على بيت نادية، كنت عايزة ألحقها قبل ما تخرج. وصلت لقيت الباب مفتوح، والبيت مقلوب رأساً على عقب. نادية مكنتش موجودة، بس لقيت حاجة على مكتبها خلتني أتسمر في مكاني.
كان فيه مغلف مكتوب عليه “إلى آية”. فتحته ولقيت جواه صور ليا وأنا بصور صورة الفرح في شقة كاتي.. وصور تانية ليا وأنا بقابل المحامي. ومعاهم ورقة صغيرة مكتوب فيها: “شكراً يا آية إنك خلصتيني من كريم وكاتي.. كانوا تقال على قلبي ومصاريفهم كتير. دلوقتي الشركة بقت قشرة فاضية، والديون كلها باسم كريم، والأصول كلها معايا. كنتي ذكية.. بس كنتي ‘موجوعة’، والوجع دايمًا بيخلي الواحد يغلط في الحسابات.” وقفت في نص الصالة، وحسيت إني خسرت كل حاجة في لحظة. كريم في السجن، كاتي هربانة، ونادية خدت شقا عمري وطارت.
بس وأنا بلم الورق، وقعت فلاشة (USB) من وسط الصور. وصلتها باللاب توب.. وظهر قدامي فيديو متصور “لايف”. كانت نادية قاعدة في صالة المطار، بتبص للكاميرا وبتبتسم، وبتقول: “باي باي يا آية.. استني المفاجأة اللي هتحصل في الشركة بعد 10 دقائق.” بصيت في الساعة.. فاضل دقيقتين. جريت على عربيتي وأنا بحاول أتصل بأمن الشركة، بس مفيش حد بيرد. فجأة، سمعت صوت انفجار مكتوم جاي من ناحية منطقة الشركات.. دخان أسود بدأ يغطي السما. المبنى اللي فيه كل مجهودي.. كان بيتحرق.
نزلت من العربية ووقعت على الأرض، الدخان كان مالي المكان، وصوت السرينات في كل حتة. وسط الزحمة، لقيت حد بيمد إيده ليا.. بصيت لفوق.. كان “إنجي الخطيب”، المساعدة بتاعتي اللي كنت فاكراها سافرت من شهر. قالت لي بهمس وهي بتسندني: “قومي يا آية.. الحريقة دي هي البداية مش النهاية. نادية فاكرة إنها حرقت الورق، بس هي حرقت ‘النسخ’.. الأصل لسه معانا.” بصيت لها بذهول: “أصل إيه؟” إنجي ابتسمت وقالت: “إنتي نسيتي إننا كنا بنرتب لده من زمان؟ نيمو مش لوحده اللي بيفهم في البرمجة.”
**يتبع…** تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو بصيت لإنجي بذهول والشرر المتطاير من الحريقة بينعكس في عينيها. “إنتي بتقولي إيه يا إنجي؟ الحسابات طارت، والمبنى بيتحرق، ونيمو خاننا!” إنجي سحبتني بعيد عن الزحمة وقعدتني في عربيتها، وطلعت تابلت صغير متوصل بجهاز غريب. قالت لي بهدوء: “آية، إنتي من كتر ضغط الخيانة عليكي نسيتي أهم حاجة علمتيها لي.. ‘دايمًا خلي عندك خطة للهروب من السفينة اللي بتغرق’. نيمو فعلًا عبقري، بس هو مغرور، والمغرور دايمًا بيسيب وراه خيط.”

