منوعات

ذهبتُ إلى طبيبةٍ نسائيةٍ لأطمئنّ


ذهبتُ إلى طبيبةٍ نسائيةٍ لأطمئنّ، لكن ما إن وضعت الطبيبة جهاز الموجات فوق الصوتية على بطني، حتى تغيّر وجهها فجأة. شحب لونها، وتوقفت يدها، ثم سألتني بهدوءٍ غريب من الذي كان يُجري لكِ الفحوصات السابقة؟
أجبتُ دون تردد زوجي، دكتورة فهو أيضًا طبيبٌ نسائي.
صمتت لثوانٍ، ثم أطفأت الشاشة التي كنت أتابعها، ونظرت إليّ نظرةً جعلت قلبي ينقبض، وقالت أريد إجراء بعض الفحوصات الإضافية لكِ الآن هناك أمرٌ أود التأكد منه.

لم تقل شيئًا صريحًا، لكن ملامحها كانت كافية لتزرع القلق داخلي.
حتى تلك اللحظة، كنتُ أظن أن توتري طبيعي بسبب الحمل. كان هذا طفلي الأول، وكنتُ في الشهر السابع، وكل شيءٍ في حياتي يبدو مثاليًا من الخارج زوجٌ طبيب، يهتم بكل تفصيلة، يرافقني في كل خطوة، لا يترك شيئًا للصدفة.
لكن مع الوقت، بدأ اهتمامه يبدو زائدًا عن الحد.
كان يتحكم في طعامي، في مواعيدي، في أدويتي، بل ويُصرّ على أن تُجرى كل الفحوصات في عيادته الخاصة، بحجة أنه الأحرص على صحتي. كنتُ أصدّق ذلك، وأقنع نفسي أن هذا من باب الحرص لا أكثر.

لكن الشعور بعدم الارتياح بدأ يتسلل إليّ دون سبب واضح.
لم يكن هو فقط.
كانت هناك أيضًا والدته.
أمام الناس، كانت هادئةً ولطيفة، لكن في البيت كانت تتصرف بطريقةٍ مختلفة. كانت تكثر من التدخل في تفاصيل حملي، وتحضر لي أعشابًا ومشروبات لا أعرف مصدرها، وتضع يدها على بطني وكأنها تراقب شيئًا، لا كأنها تفرح بحفيدٍ قادم.
في أحد الأيام، وضعت يدها على بطني وقالت بنبرةٍ غريبة يجب أن نعتني بهذا جيدًا.
لم تقل حفيدي واكتفت بتلك الجملة.
ومنذ ذلك اليوم، لم أشعر بالراحة.
لهذا قررت أن أذهب

إلى طبيبةٍ أخرى دون أن أخبر أحدًا. أردت فقط رأيًا ثانيًا يطمئنني.في البداية، بدا كل شيء طبيعيًا. أخبرتني الطبيبة أن نبض الجنين جيد، وأن وضعه مستقر. شعرتُ ببعض الراحة لكن فجأة تغيّر تركيزها، وطلبت أن تعيد الفحص بدقة.
ثم صمتت.
وبدأت تراجع الصور أكثر من مرة.
سألتها بقلق هل هناك مشكلة؟
قالت بهدوءٍ محسوب لا أستطيع الجزم الآن لكن أحتاج إلى فحوصات أدق، فقط للاطمئنان.
حاولت أن تبدو هادئة، لكن توترها كان واضحًا.
قبل أن أغادر، نظرت إليّ وقالت من الأفضل أن تتم هذه الفحوصات في مركز مستقل ولا تؤجليها.

خرجتُ وأنا أشعر بثقلٍ في صدري.
في تلك الليلة، عاد زوجي كعادته، هادئًا، مبتسمًا، يسألني عن يومي. أجبته بشكلٍ عادي، لكن شيئًا داخلي تغيّر.
لم أعد أشعر بنفس الطمأنينة.
تظاهرتُ بالنوم، لكنني كنت مستيقظة.
عند منتصف الليل، شعرتُ به ينهض من السرير. انتظرتُ قليلًا، ثم تبعته بهدوء. كان باب مكتبه مفتوحًا قليلًا، وصوته منخفض.
كان يتحدث في الهاتف.
ولم أحتج أن أسمع الاسم لأعرف مع من.
كانت والدته.
توقفتُ خلف الباب، أستمع دون أن أشعر.
سمعته يقول ذهبت إلى طبيبةٍ أخرى لا، لا يبدو أنها علمت شيئًا.. لو علمت لما التزمت الصمت.

ثم سكت لحظة، وأكمل بنبرةٍ أكثر جدية المهم أن كل شيء ما زال تحت السيطرة ولن يحدث أي تغيير.
تجمّدت في مكاني.
ثم قال جملةً جعلت كل ما بداخلي ينهار
سأتعامل مع الأمر بنفسي وقت الولادة ولن يلاحظ أحد شيئًا. ستكون حالة طارئة. سأعتني بكل شيء
توقفت الكلمات عند هذا الحد، لكن معناها ظل يتردد في رأسي كصدى لا يتوقف. لم أحتج أن أسمع المزيد. لم أحتج تفسيرًا. كنت أفهم وربما لأول مرة، كنت أرى الحقيقة كما هي، بلا تزيين ولا أعذار.
تراجعت خطوة إلى الخلف ببطء، حتى لا يُصدر جسدي أي صوت.

عدتُ إلى الغرفة، وأغلقت الباب برفق، ثم جلست على حافة السرير. نظرت إلى يديّ كانتا ترتجفان.
لم يكن خوفي على نفسي.
كان عليه.
وضعت يدي على بطني، وكأنني أحاول أن أُخفيه داخلي من العالم كله. منذ ساعات فقط، كنتُ أبحث عن طمأنينة، عن كلمة تقول إن كل شيء بخير. أما الآن، فقد أصبحتُ أعرف أن الخطر ليس في الخارج
بل في أقرب إنسان إليّ.
لم أنم تلك الليلة.
ظللتُ أحدّق في السقف، أعيد كلماته مرة بعد مرة. لن يشكك أحد حالة طارئة سأتعامل مع الأمر بنفسي.
لم يكن يتحدث عن احتمال.

كان يتحدث عن خطة.
في الصباح، تصرّفت كأن شيئًا لم يحدث. استيقظت قبله، أعددت الإفطار، وارتديت ملابسي بهدوء. عندما خرج من الغرفة، ابتسم لي كعادته، وقبّل جبيني، وسألني إن كنتُ نمت جيدًا.
أجبته بابتسامة خفيفة نعم.
كانت كذبة.
جلس أمامي يتحدث عن عمله، عن مريضةٍ تأخرت في الحضور، وعن حالةٍ احتاجت تدخلاً سريعًا. كان يتكلم بثقة، بهدوء، بنفس النبرة التي اعتدت عليها لكنني كنت أراه الآن بشكل مختلف.
كنت أرى طبيبًا يقرر مصير الآخرين دون أن يسألهم.
انتهى من إفطاره، ثم نظر إليّ وقال هل لديكِ موعد اليوم؟
هززت رأسي لا سأبقى في البيت.

ابتسم برضا، وكأنه تأكد أن كل شيء ما زال تحت سيطرته.
بعد أن خرج، انتظرتُ عشر دقائق فقط ثم أمسكت هاتفي.
حجزتُ موعدًا في المركز الذي أشارت إليه الطبيبة.
هذه المرة، لم أشعر بالخوف.
كنت أشعر بشيء آخر.
إصرار.
في المركز، أُعيدت الفحوصات من البداية. لم يطرح أحد أسئلة كثيرة، ولم يبدُ على الأطباء أي ارتباك، لكنني كنت أراقب وجوههم بدقة. كنت أبحث عن أي إشارة.
عندما انتهى الفحص، طلبت مني الطبيبة الانتظار قليلًا.
جلست وحدي في الغرفة، أحدّق في الشاشة السوداء أمامي. كانت دقائق ثقيلة، أطول من أي وقت مرّ عليّ.

ثم عادت.
جلست أمامي، وفتحت الملف، وقالت بهدوء مهني تحتاجين إلى متابعة مستمرة.. وضعك غير مستقر.
توقّفت أنفاسي للحظة ماذا تقصدين؟
أجابت بهدوءٍ مهني هناك تشوّهًا خلقيًا. في كثير من الحالات، يمكن التعايش مع هذا التش.وه.
نظرتُ إليها وكأنني لم أسمع جيدًا.
تشوّه؟
الكلمة دارت في رأسي ببطءٍ ثقيل.
سألتها بصوتٍ خافت هل هناك خطر على حياته؟
هزّت رأسها لا يوجد ما يشير إلى خطر مباشر الآن لكن يحتاج متابعة دقيقة بعد الولادة.

خرجتُ من المركز وأنا أحمل التقرير، لكنني لم أكن أحمله بيدي فقط كنت أحمله فوق صدري، كحقيقةٍ ثقيلة لم أعد أستطيع الهروب منها.
تشوّه لكنه ليس حكمًا بالمو.ت.
تشوّه لكنه ليس نهاية.
جلستُ في البيت، ووضعت التقرير أمامي، وأعدت قراءته ببطء. الكلمات واضحة، لا تحمل حكمًا قاسيًا، لا تقول إن الطفل لن يعيش، ولا تشير إلى كارثة.
فقط تشوه.
تشوه يمكن التعامل معه.
رفعتُ رأسي ببطء وفي تلك اللحظة، عادت إليّ أصوات لم أفهمها من قبل.
صوت حماتي وهي تضع يدها على بطني وتقول يجب أن نعتني بهذا جيدًا.
لم تقل حفيدي.

لم تقل الطفل.
ثم صوته هو قبل أيام، حين قال بنبرةٍ حاسمة أنا لا أؤمن بأنصاف الحلول إما أن يكون كل شيء طبيعيًا أو لا يكون.
وقتها، ظننتها جملة عابرة.
الآن فقط فهمت معناها.
هو لا يريد طفلًا مشوه.
أغمضتُ عيني وشعرتُ ببرودةٍ تسري في جسدي.
لم يكن يخاف عليّ. لم يكن يحاول حمايتي.
كان يقرّر.
كان يرى أن هذا الطفل لا يستحق أن يُكمل.
فتحتُ عينيّ ببطء.
الأمر لم

يكن متعلقًا بصحتي ولا حتى بصحة الطفل.
كان متعلقًا به.
بفكرته عن الكمال.
وبرغبته في إنهاء شيء لم يرضَ عنه.
نهضتُ من مكاني، واتجهت نحو مكتبه.
لم أدخله منذ فترة طويلة. كان دائمًا يعتبره مساحة عمل، لا يحب أن يقترب منها أحد. توقفتُ أمام الباب لحظة ثم فتحته.
كل شيءٍ في مكانه. ترتيبٌ دقيق، هدوء بارد يشبهه تمامًا.
لكنني لم أكن أبحث عن النظام.
كنت أبحث عن الحقيقة.
بدأتُ أفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر. أوراق عادية، وصفات، ملفات حتى وصلتُ إلى درجٍ مغلق.
ترددتُ.

ثم تذكرت كلماته
سأعتني بكل شيء.
فتحتُ الدرج.
وفي الداخل كان هناك ملف يحمل اسمي.
تجمّد جسدي.
مددتُ يدي ببطء، وفتحته الصفحات الأولى كانت كافية.
تشخيصات أوضح أكثر صراحة.
كلمة تشوّه خلقي مكتوبة بوضوح.
ملاحظات عن احتمالات وخيارات وخيار واحد مُعلّم بعلامة.
تدخل أثناء الولادة.
أغلقتُ عينيّ للحظة.
لم يعد هناك شك لم يكن ينتظر.
لم يكن مترددًا كان قد قرر بالفعل.
جلستُ على الكرسي، والملف بين يديّ، وشعرتُ بأن شيئًا في داخلي قد انك.سر وشيئًا آخر قد وُلد.
أغلقتُ الملف ببطء.
وضعتُ يدي على بطني.

هذه المرة، لم ألمسه بخوف بل بحماية.
لن أتركه يفعل ذلك.
حتى لو اضطررتُ أن أواجهه أو أواجه العالم كله.
لن أتركه يفعل ذلك.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى