منوعات

حكم بالاعد.ام 2

أنا أفتح عينيّ داخل كبسولة معدنية باردة، وأسمع صوتاً آلياً يقول: “صباح الخير يا مستخدمة رقم 01.. لقد انتهت المحاكاة رقم 1,000,000. هل ترغبين في بدء حياة جديدة؟” نظرتُ عبر زجاج الكبسولة، فرأيتُ شخصاً يقف في الظلام بانتظاري، شخصاً يحمل في يده سترة زرقاء صغيرة.. سترة يزن. لكن الصدمة التي ستغير كل شيء، كانت فيما رأيته خلفه. خلف يزن، لم تكن هناك بقايا سفينة فضائية ولا مختبرات مدمرة، بل كانت هناك مرآة ضخمة تمتد من الأرض إلى ما لا نهاية. وحين نظرتُ إليها، لم أرَ وجهي.. رأيتُ وجه أبي.

تراجع يزن خطوة إلى الوراء، وبدأ جسده يذوب في النور حتى لم يبقَ منه سوى تلك السترة الزرقاء التي سقطت على الأرض. الرجل الذي كان يقف في الظلام اقترب مني، وحين وقع الضوء على وجهه، صرختُ بلا صوت. لم يكن هذا الرجل أبي، ولا عمي، ولا النسخة المتمردة. كان أنا.. لكن بنسخة رجولية، نسخة أكبر سناً بملامح حادة وعينين متعبتين. قال لي بصوت هو صدى لصوتي تماماً: “أهلاً بكِ في الواقع يا ليلى.. أو بالأحرى، أهلاً بي.”

في تلك اللحظة، تدفقت الحقيقة الأخيرة كشلال من الجليد. لم يكن هناك أب، ولا أم، ولا يزن، ولا حتى جـ,ـريمة قتـ,ـل. “أنا” كنتُ آخر كائن بشري حي على وجه الأرض، وبسبب الوحدة القـ,ـاتلة، قمتُ بتقسيم وعيي إلى شخصيات متعددة داخل هذه المحاكاة. لقد اخترعتُ “أمي” لأشعر بالحنان، واخترعتُ “أبي” لأشعر بالحماية، واخترعتُ “يزن” لأمارس دور الأخت الكبرى، واخترعتُ “الجـ,ـريمة والسجن” لأعطي لحياتي الفارغة معنىً وهدفاً: **البحث عن البراءة.**

نظرتُ إلى يديّ، فبدأتا تتغيران، وتتحولان إلى يديّ رجل عجوز. سقطت خصلات شعري الطويلة، وتلاشى صوتي الأنثوي. الصدمة الكبرى لم تكن في الخيـ,ـانة ولا في المؤامرة، بل في أنني عشتُ ست سنوات أبكي خلف قضبان سجنٍ بنيتُه بوعيي، لأهرب من حقيقة أنني الوحيد الذي بقي حياً في هذا الكون المهجور. انحنيتُ ببطء، والتقطتُ السترة الزرقاء عن الأرض. شممتُ رائحتها.. كانت تفوح بعطر طفل صغير، عطرٌ صنعته مخيلتي بدقة مؤلمة. قال صوت الحاسوب المركزي: “المستخدم 01، لقد استعدتَ وعيك الكامل. هل نقوم بمسح الذاكرة وبدء المحاكاة رقم 1,000,001؟ يمكننا هذه المرة أن نجعل الأم تخرج براءة، ونعيد شمل العائلة.”

نظرتُ إلى السترة، ثم إلى المرآة التي تعكس وحدتي المرعبة. أغمضتُ عينيّ بشدة، والدموع الحقيقية تبلل وجهي العجوز، وهمستُ بكلمة واحدة كانت هي النهاية والبداية في آنٍ واحد: “نعم.. ابدأ. واجعل يزن هذه المرة.. هو من يملك المفتاح.” عادت الأضواء لتخبو، وبدأ جسدي يتلاشى ليعود داخل الكبسولة. وفي آخر لحظة من وعيي، سمعتُ صوت أمي يناديني من بعيد، وصوت يزن يضحك في المطبخ، وصوت أبي يغلق الباب خلفه. عدتُ إلى السجن، عدتُ إلى القضبان، عدتُ إلى “ليلى” البريئة..

لأن الحقيقة كانت أصعب من أن تُحتمل، وكان السجن بوجودهم، أجمل بكثير من حريةٍ لا يوجد فيها أحد سواي.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى