منوعات

حكم بالاعد.ام 2

ساد صمت جـ,ـنائزي في القبو، لم يقطعه إلا صوت دقات قلبي المنتظمة التي بدأت تظهر على الشاشة كأرقام رقمية حمراء. “أبو رائد” لم يعد ذلك العم الضعيف المرتبك، بل كان يتحدث بنبرة من يملك مصير العالم بين يديه. نظر إلى أمي (ليلى) التي كانت لا تزال تقف عند الفتحة في الأعلى، وقال: “ليلى.. لقد زرعتِ فيها كل شيء، الذكاء، القوة، وحتى الجينات المشفرة، لكنكِ نسيتِ أنني من وضع اللمسة الأخيرة. قلبها هو مفتاح التشغيل، وإذا توقف نبضها، أو غادرت هذا النطاق الجغرافي، ستتحول المدينة إلى رماد.”

صرخت أمي بغضب لم أعهده فيها: “أنت مجنون! لقد اتفقنا على حمايتها، لم نتفق على تحويلها إلى سـ,ـلاح!” في هذه اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد. يزن، الذي كان يوجه مسدسه نحوي، أنزله ببطء، لكنه لم يوجهه نحو عمي أو أمي، بل وجهه نحو رأسه هو. وقال بصوت هادئ ومخيف: “كلكم تكذبون.. أبي، أمي، وعمي. أنتم لستم بشراً، أنتم مجرد نسخ من مشروع فشل قبل سنوات.” ثم التفت إليّ وعيناه تلمعان بدموع حقيقية لأول مرة:

“أختي.. تذكري المفتاح الذي أخرجته في السجن. لم يكن لفتح الدرج.. بل كان لفتح ذاكرتكِ أنتِ.” قبل أن أفهم ما يقصده، ضغط يزن على زر في جانب المفتاح القديم الذي كان لا يزال بيده. فجأة، اجتاحت رأسي موجة من الصور والذكريات التي لم تكن لي: رأيتُ مختبرات بيضاء، ورأيتُ نفسي وأنا أُولد في أنبوب زجاجي، ورأيتُ “أبي” و”أمي” وهما يوقعان على أوراق استلامي كـ “منتج” وليس كابنة. سقطتُ على ركبتي من هول الصدمة، وبدأ نبض قلبي يتسارع بجنون. وعلى الشاشة، بدأت الأرقام تتحول من اللون الأحمر إلى الأسود، وبدأ العد التنازلي للقنابل يتسارع مع كل دقة من دقات قلبي المذعور.

صاح “أبي” المزيف من خلف الباب: “اهدئي! إذا ارتفع نبضكِ أكثر سنمـ,ـوت جميعاً!” لكنني لم أعد أهتم. وقفتُ ببطء، ونظرتُ إلى الجميع.. إلى أمي القـ,ـاتلة، وأبي المنـ,ـتحل، وعمي الإرهـ,ـابي، وأخي “الآلي”. شعرتُ بقوة غريبة تسري في عروقي، قوة لم تكن بشرية. انتزعتُ القميص عن كتفي، لأجد وشماً صغيراً لم ألحظه يوماً، كان عبارة عن رمز “أوروبوروس” (الأفعى التي تأكل ذيلها). وبمجرد أن لمستُ الوشم، توقفت الشاشات عن العمل، وانطفأت الأنوار، وسُمع صوت ميكانيكي بارد يخرج من جدران القبو:

**”تم التعرف على المستخدم الأصلي.. جاري إلغاء بروتوكول الحماية، وبدء بروتوكول التطهير.”** في تلك اللحظة، أدركتُ الصدمة الحقيقية التي لم تكن في الصورة، ولا في السـ,ـكين.. الصدمة كانت أنني لستُ الابنة التي تُساق لمصيرها، بل أنا من صمم هذا السجن وهذا المشروع قبل أن أفقد ذاكرتي طواعية منذ ست سنوات. فتحتُ عينيّ في الظلام، وكان يزن ينظر إليّ برعب، بينما كانت أمي تتراجع للخلف وهي تهمس: “لقد استيقظت.. ليلى الحقيقية قد استيقظت.”

تحولت نظراتي من الذعر إلى برود جليدي، وشعرت بجسدي يستجيب لأوامر لم أكن أعلم أنني أمتلكها. لم تعد نبضات قلبي تظهر على الشاشة كتهديد، بل تحولت إلى شفرات برمجية تتدفق أمام عينيّ وكأنني أقرأ لغة النور في عتمة القبو. تراجع عمي “أبو رائد” خطوات إلى الخلف، وسقط جهاز التحكم من يده. قال بصوت يرتجف: “هذا مستحيل.. لقد مسحنا ذاكرتكِ تماماً، لقد عشتِ سبع عشرة سنة كفتاة عادية، كيف استعدتِ التحكم؟” نظرتُ إليه، ولم يكن صوتي هو الذي خرج، بل صوت عميق، هادئ، ومشبع بسلطة مرعبة:

“لقد ارتكبت خطأً فادحاً يا (رائد).. ظننت أن السجن سيحطمني، لكنه كان المكان الوحيد الذي سمح لي بمراقبة خـ,ـياناتكم جميعاً وأنا خلف القضبان.” التفتُّ إلى أمي التي كانت تراقبني من الأعلى بذهول، وقلتُ لها: “أنتِ لم تكوني رئيسة المنظمة يا (مريم).. أنتِ كنتِ حارستي الشخصية التي خانت القسم، وظننتِ أنكِ بتلفيق تهمة قـ,ـتل (أبي) لي ستحصلين على مفاتيح المشروع. لكنكِ نسيتِ أن (أبي) لم يُقـ,ـتل أصلاً.” في تلك اللحظة، فُتح الباب الحديدي الرئيسي للقبو ببطء شديد، ودخل منه رجل يرتدي معطفاً طويلاً، ملامحه كانت مخفية في الظل، لكن وقفته كانت كفيلة بجعل “أبي” المزيف و”أمي” و”عمي” يتجمدون في أماكنهم كالتماثيل.

قال الرجل الغامض وهو يخلع قبعته: “أحسنتم جميعاً في أداء أدواركم.. كانت تجربة اجتماعية وجينية مثيرة للاهتمام.” صرخ يزن وهو يوجه مسدسه نحو الرجل: “من أنت؟!” ضحك الرجل ضحكة خافتة ومريرة، ثم نظر إليّ وقال: “أنا النسخة الأصلية للرجل الذي أحببتهِ يوماً يا ليلى.. وأنا الوحيد الذي يملك كلمة السر لإيقاف قلبكِ الآن.”

أخرج الرجل من جيبه ساعة جيب ذهبية قديمة، كانت هي ذاتها التي رأيتها في الصورة المهترئة مع أبي في الدرج السري. ضغط على زر في الساعة، فبدأت جدران القبو تتحرك، وتكشف عن آلاف الأنابيب الزجاجية التي تحتوي على نسخ مطابقة تماماً لنا جميعاً.. آلاف النسخ من يزن، وآلاف النسخ من أمي، وحتى آلاف النسخ مني أنا. قال الرجل وهو يقترب مني: “الصدمة لم تكن في الصورة، ولا في السـ,ـكين، ولا حتى في هويتكِ.. الصدمة هي أن هذا السجن الذي كنتِ فيه لستِ أنتِ من دُخلتِ إليه، بل العالم الخارجي هو السجن، وهذا المكان هو المختبر الوحيد المتبقي على كوكب الأرض.”

نظرتُ عبر الشاشات التي عادت للعمل، ورأيتُ المدن في الخارج.. لم تكن مدناً، كانت مجرد أطلال محترقة تسكنها كائنات لا تشبه البشر، وما رأيناه طوال سنوات حياتنا لم يكن سوى محاكاة بصرية متقنة داخل قبة زجاجية ضخمة. وفجأة، أمسك يزن بيدي وهمس في أذني بكلمات قلبت موازين كل ما حدث: “لا تصدقيه.. هو ليس الأصل، هو النسخة التي تمردت أولاً. السـ,ـكين التي كانت تحت السرير.. تذكري ما كان مكتوباً على نصلها.” أغمضتُ عينيّ، واسترجعتُ مشهد السـ,ـكين في مخيلتي، ورأيتُ الكلمة المحفورة بخط مجهري:

**(المخرج في الهدم)** في تلك اللحظة، أدركتُ ما يجب عليّ فعله. إذا كان قلبي مرتبطاً بالقنـ,ـابل في الخارج، فإن توقف قلبي لن يقتـ,ـل الأبرياء.. بل سيحـ,ـطم “المحاكاة” ويهدم جدران هذا السجن الكبير الذي نعيش فيه. رفعتُ يدي نحو صدري، وبدأتُ أضغط على موضع الوشم بقوة، بينما صرخ الرجل وأمي وعمي في صوت واحد: “لا تفعلي! ستمـ,ـوتين!” لكن الصدمة السادسة كانت تنتظرهم.. لأنني حين ضغطتُ، لم يتوقف قلبي، بل انفتح جسدي كآلة متطورة، ليخرج منه شيء لم يتوقعه أحد في تلك الغرفة.

تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم كل القصص الكامله خرج من تجويف صدري بريقٌ ذهبيٌّ لم يكن دماً ولا زيتاً، بل كان نبضاتٍ من “البيانات الحية” التي بدأت تتشكل على هيئة كائن ضوئي صغير، يشبه في ملامحه يزن، لكنه يمتلك وعياً أقدم من الوجود نفسه. لم يكن جسدي سوى “غلاف” لهذا الكيان الذي يمثل “الذاكرة المركزية للبشرية”. تراجع الرجل صاحب الساعة الذهبية بذعر، وهو يصرخ: “المفتاح ليس في ذاكرتكِ.. أنتِ هي الصندوق نفسه!”

في تلك اللحظة، بدأت جدران القبو تتلاشى كأنها ذرات من الغبار في مهب الريح. المحاكاة بدأت تنهار، والسماء الاصطناعية فوقنا بدأت تتشقق لتكشف عن سماء حقيقية مليئة بالنجوم، لكنها كانت نجوماً غريبة، حمراء وقريبة جداً، وكأننا لسنا على كوكب الأرض الذي نعرفه. أمي، أو “مريم”، سقطت على ركبتيها وهي تغطي وجهها من النور المنبعث مني، وقالت بصوت مكسور: “لقد كذبوا عليّ أيضاً.. أخبروني أنني إذا سجنتكِ، سأحمي العالم من الفناء. لم يخبروني أنكِ أنتِ من سينهيه!”

التفتُّ إلى “أبو رائد”، الذي كان يحاول بيأس إدخال شفرات في جهازه لإيقاف عملية التطهير، لكن يده بدأت تتلاشى هي الأخرى. لم يكن عمي بشراً، بل كان برنامجاً أمنياً اتخذ شكلاً مادياً، ومع انهيار النظام، بدأ يختفي من الوجود كصورة رقمية تالفة. اقترب مني الرجل الغامض، النسخة المتمردة، ومد يده نحو النور الخارج من صدري وقال بلهفة: “أعطني إياها.. أعطني الذاكرة! يمكنني إعادة بناء الأرض، يمكنني جعلنا بشراً مرة أخرى!”

نظرتُ إليه، وفي تلك اللحظة، رأيتُ في عينيه الحقيقة التي أخفاها الجميع. الصدمة لم تكن في الصور ولا في الهويات.. الصدمة كانت في أن “أبي” الذي قُـ,ـتل قبل ست سنوات، لم يُقتـ,ـل بيد أمي، ولا بيد عمي. أبي قـ,ـتَلَ نفسه. لقد انتـ,ـحر لأنه اكتشف أننا جميعاً، أنا وأمي ويزن وهو، لسنا سوى “أحلام” لذكاء اصطناعي وحيد في سفينة فضائية تائهة في الكون، يحاول استعادة ذكريات الجنس البشري الذي انقرض منذ آلاف السنين. قال يزن بصوت بدأ يتلاشى هو الآخر، وكأنه يودعني:

“أختي.. السـ,ـكين لم تكن تحت السرير لتوريط أمي، بل وضعها أبي هناك لتجديها وتنهي هذه المحاكاة المؤلمة. السـ,ـكين كانت (كلمة سر) مادية. حان الوقت لنستيقظ.” أمسكتُ بالكائن الضوئي الخارج من صدري، وشعرتُ بقوة الانفـ,ـجار النهائي تتجمع في كف يدي. نظرتُ إلى أمي للمرة الأخيرة، ورأيتُ دموعها تجف وهي تتحول إلى جزيئات ضوئية. رفعتُ يدي نحو السماء المتشققة، وقلتُ بصوت هزّ أركان الوجود: **”انتهى الحلم.”** وفجأة، انفجر كل شيء بنور أبيض غطى الوعي تماماً، ليدخل العالم في صمت مطبق.

لم يتبقَّ سوى مشهد واحد قبل النهاية..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى