منوعات

حكم بالاعد.ام 1

حُكم على أمي بالإعـ,ـدام بتهمة التخلص من أبي، ولمدة ست سنوات، لم يصدق أحد أنها بريئة. لكن قبل دقائق من تنفيذ الحكم، عانقها أخي الصغير وهمس لها بصوت مرتجف: “أمي… أعرف من أخفى السـ,ـكين تحت سريرك.” قالت أمي، ويداها مقيدتان وصوتها منهك لكنه ثابت: “لا تبكِ من أجلي… فقط اعتنِ بأخيك يزن.” كنت في السابعة عشرة حين أُدينت. عُثر على أبي مقتولًا في المطبخ، وكانت السـ,ـكين تحت سرير أمي، وعلى ثوبها آثار د ـ,ـم. وقال الجميع الجملة ذاتها:

“هي من قـ,ـتلته.” حتى أنا… شككت فيها. وكان ذلك ذنبي الذي لم أستطع غفرانه. على مدى ست سنوات، كانت أمي ترسل إليّ رسائل من السج,,ن، تكتب فيها: “والله يا ابنتي ما قـ,ـتلته… صدقيني.” ولم أعرف يومًا كيف أرد. في صباح التنفيذ، سُمح لها أن تودّع أخي الصغير يزن، الذي لم يتجاوز الثامنة. دخل مرتجفًا، مرتديًا سترته الزرقاء، وعيناه مملوءتان بخوف لا يليق بطفل. انحنت أمي قدر ما سمحت به القيود، وهمست: “سامحيني يا روحي… لن أكون إلى جانبك وأنت تكبر.”

عانقها يزن بقوة، كأنه يحاول أن يوقف الزمن… ثم اقترب من أذنها وهمس: “أمي… لقد رأيت من أخفى السـ,ـكين تحت سريرك.” تجمّدت أمي في مكانها. تقدّم الحارس بخطوات حادة وقال: “ماذا قلت أيها الفتى؟” انفجر يزن بالبكاء، وقال بصوت مكسور: “لقد رأيته… لم تكن أمي.” رفع آمر السج,,ن يده فورًا وقال: “أوقفوا كل شيء.” ساد الصمت، وكأن الهواء نفسه قد تجمّد. كان عمي “أبو رائد” يقف في الزاوية، وقد جاء بحجة توديع أمي، لكن وجهه شحب فجأة، وحاول المغادرة بهدوء.

إلا أن يزن أشار إليه مباشرة وقال: “هو… هو من فعل ذلك… وقال لي إن تكلمت، فسوف يدفـ,ـن أختي أيضًا.” صرخت أمي باسمي، بينما كنت أحدّق في عمي غير مصدّقة… وفجأة، عادت إليّ تفاصيل كنت قد تجاهلتها طوال ست سنوات: هو من عثر على السـ,ـكين. وهو من اتصل بالشرطة. وهو من تولّى شؤون المنزل بعد سج,,ن أمي. أغلق الحارس الباب بإحكام، وبدأ العرق يتصبب من جبين عمي. قال بصوت مرتبك: “الطفل خائف… ولا يدرك ما يقول.”

لكن يزن أدخل يده في جيبه، وأخرج كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا، بداخله مفتاح قديم. قال وهو يبكي: “أعطاني أبي هذا المفتاح… وقال لي إذا حدث لأمي شيء يومًا، فعليّ أن أفتح الدرج السري في خزانة الملابس.” تجمّد عمي تمامًا. أخذ آمر السج,,ن المفتاح ببطء… وفي تلك اللحظة، لم يعد الخوف في عيوننا هو الأشد… بل في عينيه هو. لأن ذلك الدرج… لم يكن يخفي فقط حقيقة السـ,ـكين… بل كان يخفي صورة الرجل الذي ذهب أبي ليبلّغ عنه في الليلة ذاتها…

قبل أن يُعثر على أبي مقتولًا في الليلة نفسها. لكن الصدمة لم تكن في الصورة لكن الصدمة لم تكن في الصورة التي وجدناها لعمي وهو يسـ,ـرق أموال الشركة، بل كانت في التاريخ المكتوب خلفها. كانت الصورة قد التُقطت قبل عشر سنوات، ولم يكن عمي فيها وحده، بل كان يقف بجانب رجل آخر لم نتمكن من تمييز ملامحه في البداية بسبب بهتان الألوان. حين سحب آمر السج,,ن الورقة بالكامل، سقطت منها رسالة مطوية بعناية فائقة، مكتوبة بخط يد أبي المهتز، وكأنه كان يكتبها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أو يشعر بدنو أجله. فتح الآمر الرسالة وقرأ بصوت جهوري:

“إلى من يجد هذا المفتاح.. أخي ليس القـ,ـاتل الوحيد، هو مجرد أداة.” ارتجفت فرائص عمي وسقط ج,,ثيًا على ركبتيه، بينما كنتُ أراقب ملامح أمي التي تحولت من الانكسار إلى ذهول مرعب. تابع الآمر القراءة: “لقد اكتشفتُ أن زوجتي.. ليست هي من تظنونه.” توقفت الأنفاس في الغرفة. نظرتُ إلى أمي، كانت تحدق في الرسالة بعينين جاحظتين، وكأنها رأت شبحًا. صرخ عمي فجأة وسط بكائه الهستيري: “لقد أجبرني! هو من خطط لكل شيء! لم أكن أريد قتـ,ـله، لكنه هددني بكِ يا (ليلى)!”

نظرتُ إلى أمي، ولم يكن اسمها “ليلى”. كان اسمها “مريم”. التفتُّ نحو يزن، الذي كان لا يزال ممسكًا بطرف سترة أمي، لكنه لم يكن ينظر إلى عمي، بل كان ينظر إلى أمي بنظرة غريبة، نظرة خالية من العاطفة، وكأن الطفل الذي كان يبكي قبل دقائق قد اختفى تمامًا. قال يزن بصوت هادئ وبارد، صمتت له القاعة بأكملها: “أمي.. لماذا يناديكِ عمي باسم (ليلى)؟ ولماذا أخبرني أبي قبل مـ,ـوته أنكِ لا تملكين بصم,,ات أص,,ابع؟”

ساد صمت موحش، ثم رفعت أمي رأسها ببطء، وتلاشت ملامح الضعف من وجهها تمامًا. سقطت القيود من يديها وكأنها لم تكن مغلقة بإحكام، ونظرت إلى آمر السج,,ن بابتسامة باهتة لم أرها طوال سبعة عشر عامًا. قالت بهدوء: “كان عليك أن تفتح الدرج السري قبل ست سنوات يا أبا رائد.. أما الآن، فقد فُتحت أبواب الجحيم على الجميع.”

في تلك اللحظة، أدركتُ أن السـ,ـكين التي كانت تحت السرير، لم تكن هناك لتوريط أمي.. بل كانت هناك لأن أمي هي من خبأتها، ليس لإخفاء جـ,ـريمة، بل لتذكير نفسها بشيء ما لم نفهمه بعد. وبينما كان الحراس يندفعون نحوها، انطفأت أنوار السج,,ن فجأة، وسُمع صوت انفـ,ـجار ضخم هزّ الأركان. وسط الركام والدخان الكثيف الذي ملأ الممر، كان صراخ الحراس يختلط بصوت إنذار السج,,ن الذي انطلق كصرخة ذبيح. حاولتُ التشبث بـ “يزن”، لكنني وجدته يقف مكانه بجمود غير طبيعي، وكأن هذا الانفجار كان إشارة ينتظرها.

حين انقشع الدخان قليلاً، رأيتُ عمي “أبو رائد” ملقىً على الأرض فاقدًا للوعي، والرسالة التي كانت بيد الآمر قد اختفت. أما أمي، فقد كانت تقف في وسط الفوضى، لا تبدو كمرأة أُنهكتها ست سنوات من السج,,ن، بل بدت وكأنها استعادت روحًا كانت مدفونة. أمسكت أمي بيد يزن بقوة، ونظرت إليّ نظرة خاطفة كانت مزيجًا من الحب والتحذير، ثم قالت بصوت حاد: “لا وقت للشرح الآن.. اهربي مع يزن من الباب الخلفي للمغسلة، هناك سيارة تنتظركم.”

قلتُ بذهول والدموع تغطي وجهي: “ومن أنتِ؟ ولماذا نادى عمي باسم (ليلى)؟ وما هي هذه الصورة؟” لم تجب، بل دفعتنا نحو الممر الجانبي وهي تخرج من جيب ثوب السج,,ن جهازًا صغيرًا لم أره معها من قبل. وفجأة، ظهر من خلف الأدخنة رجلان يرتديان ملابس سوداء، لم يهاجما أمي، بل انحنيا لها باحترام وسلماها حقيبة صغيرة. في تلك اللحظة، تعثرتُ بج,,ثة الآمر الذي كان مقتولاً، ليس بشظايا الانفجار، بل بطع,,نة دقيقة في الرقبة. صرختُ رعباً، فالتفت يزن إليّ وقال ببرود مرعب:

“لا تخافي يا أختي.. أبي لم يُقـ,ـتل لأن عمي أراد المال، أبي قُـ,ـتل لأنه اكتشف أن أمنا هي رئيسة المنظمة التي كان يطاردها طوال حياته كضابط مخابرات.” شعرتُ وكأن الأرض تدور بي. والدي الذي ظنناه تاجرًا بسيطًا كان ضابطًا؟ وأمي التي بكينا لأجل براءتها هي من كانت تخطط لكل شيء؟ ركضنا عبر الممرات المظل,,مة، وبينما كنا نقترب من مخرج الطوارئ، وجدتُ في طريقي تلك الورقة التي سقطت من “الدرج السري” في خزانة ملابسنا، تلك التي لم ينتبه لها أحد في الفوضى. كانت صورة أخرى، لكنها لم تكن لعمي ولا لأمي.

كانت صورة لي أنا، وأنا في الخامسة من عمري، وخلفي يظهر رجل ملامحه تشبهني تمامًا، ويمسك بيدي.. ولم يكن ذلك الرجل هو أبي الذي دفـ,ـناه قبل ست سنوات. قبل أن أتمكن من استيعاب الأمر، أُغلق الباب الحديدي خلفنا، ووجدنا أنفسنا في غابة كثيفة تحيط بالسج,,ن، والسيارة السوداء بانتظارنا. نزل من السيارة رجل يرتدي قناعًا، خلع قناعه ببطء، لتنحبس أنفاسي وأنا أرى وجه أبي “المقتول” يقف أمامي حيًا يرزق، لكنه ينظر إلى يزن ويقول: “هل انتهت المهمة؟ هل صدقت الأم أننا وقعنا في فخها؟”

هنا نظرتُ إلى يزن، ورأيته يبتسم لأبي ابتسامة لم أرها في وجه طفل قط، وقال: “لقد ابتلعت الطعم يا أبي.. هي الآن تظن أنها هربت، بينما نحن من أخرجناها من جحرها.” كنتُ أقف بينهما، لا أعرف من الصادق ومن القـ,ـاتل، ومن هي “أمي” الحقيقية، ومن هو الرجل الذي كان ينام في بيتنا لسبع عشرة سنة. وفجأة، سمعتُ صوت أمي من جهاز لاسلكي كان في جيب يزن وهي تقول: “أعلم أنك تسمعني يا زوجي العزيز.. اللعبة لم تبدأ بعد.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى