منوعات

اعز صحبه رومانى مكرم 3

كريم سكت خالص بعد ما نطق الجملة اللي هزت كياني: “نيمو يبقى ابن نادية المستخبي”. بصيت له بنظرة كلها احتقار ممزوج بذهول، وقلت له: “يعني إنت كنت عارف؟ كنت عارف إنك مدخل تعبان وسطنا، ومع ذلك سبته ينهش في الشركة وفيّ؟” كريم رد بصوت واهن: “والله ما كنت أعرف إنه ابنها غير من شهر واحد.. نادية كانت بتهدّدني بيكي يا آية، قالت لي لو نيمو ما مسكش السيستم، ‘حادثة’ هتحصل لك وتخلص عليكي.. فكرت إني لو وافقت ومثلت إني مع كاتي، نادية هتهدا وتسيبك في حالك.”

قمت وقفت وأنا مش عايزة أسمع منه كلمة تانية. خرجت من النيابة وإنجي كانت مستنياني بره. قلت لها وصوتي ميت: “إحنا مش رايحين أسيوط بس عشان السر.. إحنا رايحين عشان نيمو هناك.” ركبنا الطريق الصحراوي باتجاه أسيوط. طول الطريق كنت بفكر في “الحاج إبراهيم”. الراجل ده كان أسطورة في الصعيد، الكل بيحكي عن ذكاءه وقوته، بس محدش اتكلم قبل كدة عن “وصية” أو “تضحية”. وصلنا لبيت العيلة القديم في ساعة متأخرة من الليل. بيت كبير، مبني بطراز قديم، وشجر النخيل حواليه كأنه حراس صامتين. الغريب إن البيت كان منور، وكأن فيه حد مستنينا.

دخلنا من البوابة الكبيرة اللي كانت مواربة. في الصالة الواسعة، كان فيه راجل قاعد بضهره، بيشرب قهوة وهادي جداً. أول ما سمع صوت خطواتنا، لف الكرسي. مكانش نيمو.. كان راجل عجوز جداً، بس عينيه فيها حدة غريبة. “أهلاً يا ست آية.. كنت عارف إنك هتيجي، بس افتكرت إنك أذكى من كدة وهتيجي لوحدك.” إنجي سألت بخوف: “إنت مين؟” العجوز ابتسم: “أنا ‘عبد الرحيم’.. كنت دراع الحاج إبراهيم اليمين، والوحيد اللي عارف سر الدفاتر اللي نادية ونيمو بيحفروا وراها.”

قعدت قدامه وقلت له: “نادية اتقبض عليها، ونيمو هربان.. والشركة اتحرقت. إيه اللي فاضل يا حاج عبد الرحيم؟” طلع دفتر قديم، متغلف بجلد غزال، وحطه قدامي: “نادية كانت فاكرة إن الثروة في العقارات والفلوس اللي في البنوك.. بس الثروة الحقيقية هي ‘الأرض السودا’ اللي الحاج إبراهيم اشتراها باسم ‘آية’.. بس مش آية إنتي، آية جدتك، اللي كانت حب حياته.” فتحت الدفتر، ولقيت خرائط لمساحات شاسعة من الأراضي في منطقة صناعية جديدة، قيمتها النهاردة تساوي مليارات، مش بس ملايين. الأراضي دي كانت “موقوفة” وصية، ومحدش يقدر يتصرف فيها غير “آية” اللي تحمل نفس الاسم واللقب.

فجأة، سمعنا صوت تصفيق جاي من ورا الستارة. خرج نيمو، وبإيده مسدس، وعلى وشه ابتسامة باردة: “برافو يا عم عبد الرحيم.. وفرت عليا مجهود التدوير. والآن، يا ست آية، بما إنك ‘آية’ المنشودة، إنتي اللي هتمضي على عقود التنازل عن الأرض السودا دي.. وبكدة الوصية تتنفذ، بس لصالحي أنا.” إنجي حاولت تتحرك، بس نيمو صرخ فيها: “خليكي مكانك يا إنجي! أنا عارف إنك شاطرة في البرمجة، بس الرصاص مبيعرفش كود.”

بصيت لنيمو ببرود وقلت له: “إنت فاكر إنك لو هتاخد حاجة؟ الأرض دي مش باسمي يا نيمو.. الأرض دي باسم ‘شركة’ أنا أسستها من شهر، والمساهمين فيها هما ضحايا نادية وكريم اللي إنت نصبت عليهم.” نيمو ضحك: “متحاوليش تشتتيني.. أنا معايا الورق اللي يمضيكي.” قلت له: “طب بص وراك يا نيمو.. قبل ما تمضيني.” نيمو لف بجسمه للحظة، وفي اللحظة دي، النور انقطع تماماً عن البيت. سمعنا صوت تكسير إزاز وصراخ، وبعد ثواني، النور رجع.. نيمو كان واقع على الأرض، والمسدس بعيد عنه، وحواليه رجالة “الحاج إبراهيم” اللي عبد الرحيم كان محضرهم.

عبد الرحيم بص لنيمو وقال: “إنت نسيت يا واد يا نادية، إن البيت ده مبيخونش أصحابه.. وإنت غريب عنه.” قربت من نيمو وهو متكتف، وقلت له: “نادية في السجن، وكريم خسر كل حاجة.. وإنت دلوقتي هتروح تلحقهم. بس قبل ما تمشي، فيه سر صغير لازم تعرفه..” وطيت على ودنه وهمست بجملة خلته يبرق عينيه برعب، وكأنه شاف شيطان. إنجي سألتني: “قلتيله إيه يا آية؟” بصيت للدفتر القديم وقلت: “قلتله إن نادية مكنتش بتسرق عشانك يا نيمو.. نادية كانت بتسرق عشان تهرب لوحدها، والفلوس اللي في دبي كانت باسم ‘جوزها الجديد’ اللي هي هربت له.”

خرجنا من البيت، والشمس بدأت تطلع على غيطان أسيوط. حسيت إن الحمل بدأ يخف، بس لسه فيه حاجة ناقصة. “الحكاية لسه مقفلتش يا إنجي.” “ليه يا آية؟ إنتي خدتي حقك من الكل.” قلت لها وأنا ببص للطريق: “لأن كاتي لسه مظهرتش.. والست دي هي الوحيدة اللي معاها ‘المفتاح’ الأخير للشركة اللي اتحرقت.” **يتبع…**حكايات رومانى مكرم ## الجزء الثامن إنجي بصت لي باستغراب وإحنا راجعين في الطريق: “مفتاح إيه يا آية؟ كاتي خلاص انتهت، دي مجرد عروسة ورق كريم استخدمها عشان يداري بلاويه، ونادية استغلتها عشان تكسر قلبك.. تفتكري لسه ليها دور؟”

سندت راسي على شباك العربية وبصيت للأراضي الواسعة اللي بتجري ورانا: “كاتي أذكى من كريم، وأخبث من نادية. كاتي هي اللي كانت بتمسك ‘السيستم اليدوي’ في الشركة.. الدفاتر اللي كانت بتتسجل فيها العمولات اللي تحت الترابيزة، العمولات اللي مفيش سيستم في الدنيا يقدر يرصدها لأنها بتدفع كاش.. الدفاتر دي كانت في خزنة سرية في مكتبها، والحريقة اللي حصلت في الشركة؟ أنا متأكدة إن مكتب كاتي بالذات محصلوش حاجة.” وصلنا القاهرة، وبدل ما أروح بيتي أو الشركة المحروقة، روحت لمكان محدش يتوقعه.. “بيت أهل كاتي”.

بيت قديم في حي راقي، هدوءه مريب. دخلت ولقيت مامتها قاعدة، ست مريضة وتعبانة. أول ما شافتني عيطت: “آية.. كاتي ضاعت يا بنتي، خدت شنطتها وهربت من يومين وقالت لي متسأليش عليا.” سألتها ببرود: “هربت فين يا طنط؟” قالت وهي بتشهق: “قالت إنها رايحة ‘العين السخنة’.. عندها شاليه هناك محدش يعرف عنه حاجة، كانت شرياه من ورايا.” مشيت فوراً على السخنة. كنت بسوق بسرعة جنونية، وإنجي جنبي بتحاول توصل لموقع الشاليه عن طريق تتبع آخر ظهور لتليفونها. “لقيته يا آية! شاليه في قرية معزولة تماماً.”

وصلنا هناك والليل كان بدأ يليل. القرية كانت فاضية تقريباً لأننا مش في موسم. وقفت قدام الشاليه، النور كان مطفي، بس كان فيه ريحة دخان خفيفة.. ريحة ورق بيتحرق. كسرنا قفل الباب ودخلنا. لقيت كاتي قاعدة قدام “مدفأة” (Fireplace)، وبتحرق في دفاتر وسجلات.. ونظراتها كانت خالية من أي مشاعر. أول ما شافتني، متهزتش. كملت رمي الورق في النار وقالت ببرود: “تأخرتي يا آية.. كنت فاكرة إنك هتيجي أسرع من كدة.” قلت لها وأنا بقرب منها: “بتحرقي إيه يا كاتي؟ أسرارك مع كريم؟ ولا العمولات اللي سرقتيها من نادية؟”

ضحكت بمرارة وبصت لي: “بأحرق ‘حياتي’ يا آية. إنتي فاكرة إنك الضحية الوحيدة؟ كريم ده كان شيطان.. كان بيصورني وبيهددني بصوري عشان أنفذ له اللي هو عايزه في الشركة. نادية كانت عارفة وساكتة عشان تكسرك بيا. أنا مكنتش عايزة أتجوزه، أنا كنت محبوسة في اللعبة دي زيك بالظبط.” إنجي صرخت فيها: “كدابة! وصورة الفرح اللي في شقتك؟” كاتي بصت للأرض: “كريم هو اللي أجبرني أعلقها.. كان عايزك تشوفيها وتنهاري، عشان لما تنهاري، هو يسيطر على كل حاجة ويدعي إنك مريضة نفسية ومتقدريش تديري أملاك الجد إبراهيم.”

وقعت في الأرض جنب النار، وطلعت ورقة أخيرة من جيبها: “دي الورقة اللي كنت مستنياكي عشان أديهالك.. دي ‘التوكيل’ اللي كريم كان عامله لنفسه بصفته وصي عليكي لو حصل لك حاجة. الورقة دي لو كانت وقعت في إيد نادية أو نيمو، كنتي ضعتي للأبد.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى