
— “بابا عماد، نورا هتيجي تعيش معانا تاني؟” بصيت لبعيد وقلت: — “اللي جاي يا ياسين.. هو اللي هيقولنا الحقيقة.” لكن قبل ما نورا تخرج من المستشفى بيوم واحد، حصلت حاجة قلبت الموازين كلها، وخلتني أقف قدام الحقيقة المرة اللي كانت مستخبية في “الظلام”. الليلة اللي سبقت خروج نورا من المستشفى، كنت قاعد في بيتي براجع ورق أخويا جمال لآخر مرة، وقعت من وسط الأوراق صورة صغيرة لجمال ومراته وهما شايلين ياسين يوم سبوعه، ومكتوب وراها بخط إيد مراته: **”الأمانة مش بس في المال يا عماد، الأمانة في اللي بيصون الود.”**
الكلمة دي هزتني. رحت المستشفى الصبح بدري، لقيت نورا قاعدة على السرير، شايلة شنطتها ومستنية “المجهول”. أول ما شافتني، قامت وقفت بصعوبة وقالت: — “أنا جاهزة يا عماد. المحامي قالي إنك تنازلت عن القضايا.. كتر خيرك، أنا هروح بيت أهلي في البلد، ومش هتشوف وشي تاني، بس أرجوك.. ابقى طمني على ياسين.” بصيت في عينيها، ملقيتش الغيرة ولا الغل، لقيت واحدة “انكسرت” وذاقت طعم المو.ت ورجعت منه بدرس عمرها. بصيت لياسين اللي كان ماسك إيدي، ولقيته بيشدني ناحيتها وبيقولي:
— “يا بابا عماد، أنت قولتلي إن بابا جمال كان بطل وبيسامح.. أنت مش بطل زيه؟” الولد بكلمته دي لخص كل الصراعات اللي في قلبي. قربت من نورا وقلت لها بصوت هادي: — “البيت اللي اتقفل في وش اليتيم، ربنا مبيباركش فيه. وأنتِ يا نورا، غلطتي غلطة عمرك، بس فديتينا بدمك. أنا مش هقدر أنسى، بس هقدر أتعايش.. عشان خاطر الجنين اللي في بطنك، وعشان خاطر ياسين اللي حبك بجد.” نورا بكت وقالت: “يعني إيه يا عماد؟”
قلت لها: “يعني البيت مفتوح لك يا نورا، بس بشروط.. ياسين خط أحمر، والحكاية اللي بينا هتبدأ من الصفر، صفحة بيضا، والزمن هو اللي هيداوي الجراح.” رجعنا البيت، نورا دخلت وهي بتبوس عتبة الباب وبتعتذر لياسين ألف مرة. ومرت الشهور، ونورا اتغيرت تماماً، بقت فعلاً “أم” لياسين قبل ما تكون أم لابنها اللي نور الدنيا بعد 3 شهور وسميناه “جمال” على اسم أخويا.
خالد خد جزاؤه بالسجــ,,ـــــن 15 سنة بتهمة التزوير والمشاركة في تشكيل عصابي وتهريب آثار. والفلوس اللي أخويا سابها لياسين، حطيتها في صندوق استثماري لتعليم اليتيم ومساعدة المحتاجين، عشان تكون صدقة جارية على روح “البطل” اللي مات وهو صاين الأمانة. وفي يوم، كنت واقف في البلكونة وشايف نورا بتلعب مع ياسين وجمال الصغير في الجنينة، والضحكة مالية البيت. عرفت وقتها إن “الأمانة” مكنتش في الصندوق ولا في الآثار، الأمانة كانت في “القلب” اللي بيعرف يحب ويصون ويفتح باب الرحمة حتى للي غلط.
بصيت للسما وقلت: “ارتاح يا جمال، ابنتك في أمان، ووصيتك في رقبتي ليوم الدين.” **تمت** **#الكاتب_روماني_مكرم**


