
مرت الأيام وأنا بحاول أثبت وجودي في الشقة، كنت بصلح أي حاجة بايظة، بنزل أجيب العيش والطلبات من غير ما تطلب، بحاول أرجع “الراجل” اللي كان مفروض أكونه من سنين. بس مريم كانت عاملة زي الحيطة السد، كلامها على قد السؤال، ونظرتها ليا كانت خالية من أي مشاعر، لا كره ولا حب، وده كان بي.ني أكتر. في يوم، نزلت المكتبة ووقفت قدامها، قولت لها بصوت مكسور: “يا مريم، أنا مش عايز أكون ضيف، أنا عايز أصلح اللي انكسر، خليني أقف معاكي هنا، أشيل عنك الشغل، أوزع الطلبيات، أي حاجة بس أحس إني لسه ليا لزمة في حياتك.”
مريم سابت القلم من إيدها وبصت لي نظرة طويلة، وقالت لي بهدوء يرعب: “تصلح إيه يا ابن خالتي؟ اللي انكسر مكنش فازة، ده كان عمري. أنت فاكر إنك لما ترجع وتلاقي المكتبة ناجحة، يبقى خلاص مريم بقت كويسة؟ أنا نجحت عشان كان لازم أنجح، مش عشان كنت مستنياك ترجع تبارك لي.” كملت وهي بتقفل دفتر الحسابات: “لو عايز تشتغل، انزل دور على شغل في مجالك، ابني نفسك بعيد عني. المكتبة دي ‘مملكتي’ اللي بنيتها بدموعي وورث أبويا، مفيش فيها مكان لواحد سابني وأنا مش حيلتي اللقمة.”
وفي عز الكلام، تليفونها رن، ردت بابتسامة نادرة عمري ما شوفتها منها طول السنة اللي عشناها سوا، كانت بتكلم حد عن “شحنة كتب جديدة” وصوتها كان فيه حماس وحياة. حسيت وقتها إن مريم مش بس استغنت عني مادياً، دي استغنت عني “نفسياً” كمان.
طلعت من المكتبة وأنا بجر أذيال الخيبة، وفي طريقي للشقة، قابلت جارتنا “أم محمد” اللي كانت دايمة تدخل عند أمي الله يرحمها. وقفتني وقالت لي بلهجة فيها لوم: “رجعت يا ابني؟ مريم تعبت أوي يا قلب أمها، مكنتش بتنام من كتر الشغل والهم، بس ربنا نصرها عشان كانت بارة بأمك لحد آخر نفس.. مريم دلوقتي غير مريم اللي أنت سيبتها، دي بقت ست بـ ١٠٠ راجل.” كلام الست خلاني أفهم إن “الرجوع” مش بس إنك تفتح باب الشقة، الرجوع الحقيقي هو إنك تلاقي مكان في قلب اللي ظلــ,,ـــــمته، وأنا قلبي مريم قفلته بميت قفل ومفتاح.
قررت إني مش هستسلم بسهولة، قولت لازم أعمل حاجة تهز الجمود اللي في قلبها ده. رحت للمحامي وطلبت منه يتنازل عن نصيبي في الشقة لمريم، وكتبت لها شيك بكل قرش قدرت أجمعه من سفري، قولت يمكن ده يرجع لها حقها اللي ضاع أو يبرد نــ,,ـــــارها شوية. طلعت لها المكتبة بالليل وهي بتقفل، ومديت إيدي بالورق والشيك وأنا كلي أمل. قولت لها: “يا مريم، الشقة بقت باسمك رسمي، وده شيك بكل اللي معايا.. أنا مش عايز فلوس، أنا عايزك أنتِ، عايز نفتح صفحة جديدة وننسى اللي فات.”
مريم خدت الورق، بصت فيه ببرود، وبعدين قطعته نصين قدام عيني بكل هدوء. الشيك والورق وقعوا على الأرض وهي بتقولي: “أنت فاكر إنك تقدر تشتري غفرانك بفلوس؟ الشقة دي أنا اللي حاميتها وصنتها وأنا اللي أحق بيها منك بوضع اليد وبالعشرة، مش محتاجة ورقة منك تثبت ده. وفلوسك؟ خليها تنفعك في حياتك الجاية.. لأن حياتك معايا خلصت خلاص.”
صدمتني وقفتها، كنت فاكر إن أي ست ممكن تلين قدام المادة أو محاولات الرجوع، بس مريم كانت اتخطت المرحلة دي بمراحل. كملت كلامها وهي بتطلع من شنطتها ورقة تانية خالص، ورقة مطبوعة وجاهزة: “أنا كنت مستنياك ترجع عشان حاجة واحدة بس يا ابن خالتي.. عشان الورقة دي.” بصيت للورقة، كانت دعوى “خلع” مرفوعة ضدي من شهور، بس هي كانت مستنية رجوعي عشان تنهي الموضوع “ودياً” قبل ما المحاكم تتدخل.