
تاني يوم الصبح، كنا قدام عمارة قديمة في السيدة زينب.
ده كان العنوان اللي جدتي جابته للممرضة ميرفت، الست اللي كانت ماسكة الوردية ليلة ولادتي من 28 سنة.
طلعنا السلم والنهجان واكل صدرنا.. خبطنا.. فتحت لنا ست عجوزة، عينيها فيها نظرة خوف أول ما شافت جدتي.
جدتي مهدتش ولا لفت ولا دارت، طلعت صورة عثمان وصورتي وقالت لها إنتي عارفة إحنا مين.. وعارفة إيه اللي حصل ليلة 14 نوفمبر سنة 1998.
الست ميرفت رجلها مكنتش شايلاها، دخلتنا الصالة وهي بتبكي وتقول والله ما كان قصدي.. الدنيا كانت مقلوبة، المستشفى كانت زحمة، والنور قطع.. حصل لبطة في الحضانات..
ولما عرفنا الصبح، كان الأوان فات.. والمدير وقتها قال لي لو فتحتي بوقك هتروحي ورا الشمس.
أمي صرخت صرخة هزت الحيطان بنتي فين؟ البنت اللي أنا خلفتها من بطني فين يا ميرفت؟
ميرفت قامت دخلت جوة وجابت كشكول قديم، متقطع.. وقالت بصوت مخنوق أنا عمري ما نسيت.. فضلت مراقبة العيلة التانية من بعيد.. البنت اللي بدلتك بيها يا فردوس، راحت لعيلة بسيطة في شبرا.. عيلة على قد حالها، لكنهم
ناس طيبين.
فتحت الكشكول، وطلعت صورة مقصوصة من جرنان قديم.. صورة لبنت بتتكرم في الثانوية العامة..
أول ما شوفت الصورة، قلبي وقف.
البنت كانت نسخة من أمي فردوس.. نفس العينين السوداء الواسعة، نفس الشامة اللي فوق شفتها، نفس الضحكة الهادية.
في اللحظة دي، الغضب اللي جوايا ناحية عثمان اتحول لبركان.
الراجل ده دمر حياة أمي، وشكك في شرفها، وعيرها بيا 28 سنة.. وهو في الحقيقة مكنش مخدوع بس، ده كان ظالم لدرجة إنه معملش مجهود لحظة واحدة يفكر إن في غلطة طبية ممكن تحصل.
قولت لأمي وجدتي إحنا مش هنروح ل عثمان دلوقتي.
أمي بصت لي باستغراب أمال هنعمل إيه؟
قولت لها وعيني فيها لمعة انتقام هنروح نجيب بنتك الحقيقية.. وهنروح نادي التجمع يوم الجمعة الجاية..
في وسط العيلة كلها.. عشان ننهي المسرحية دي للأبد.
الجمعة اللي بعدها..
نفس السفرة.. نفس الوشوش.. وعثمان قاعد زي الملك في نص التربيزة، مستني ولاء تعلن انكسارها وتقدم له اعتذارها وتثبت خيانة أمها.
وقف عثمان ورفع كاسه وقال ها يا ولاء؟ المعمل قال لك إيه؟ عرفتي مين هو أبوكي الحقيقي؟
قومت
وقفت، وبكل ثبات طلعت تقرير المعمل، وحطيته قدامه..
وقبل ما يقرأ، قولت بصوت عالي سمعه الكل
أنا فعلاً عرفت مين أبويا الحقيقي يا عثمان بيه.. بس الأهم، إني عرفت إنك مش بس أب فاشل..
إنت طلعت راجل ظالم، ضيعت عمر ست شريفة في وهم إنت اللي اخترعته.
فتح الورقة.. وشه بدأ يقلب ألوان.. من الأبيض للأزرق.
يعني إيه 0 من فردوس كمان؟ صرخ وهو مش فاهم.
في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح.. ودخلت بنت تانية.. لابسة لبس بسيط لكن شكلها يخطِف القلب..
أول ما العيلة شافتها، القاعة كلها سكتت سكتة الموت.
البنت كانت فردوس وهي صغيرة.. مفيش مجال للشك.
قولت له بصوت زي السكين دي نور.. بنتك اللي إنت رمتها في شبرا وعشت تعاير أمي بيا.. دي البنت اللي إنت حرمت نفسك وحرمت أمي منها عشان كبريائك وغرورك.
عثمان المنشاوي، الراجل اللي مكنش بيتهز، وقع على الكرسي.. الورقة وقعت من إيده..
والعيلة كلها، الستين واحد اللي كانوا بيضحكوا، نزلوا روسهم في الأرض بكسوف وخزي..
اللحظة دي مكنتش مجرد فضيحة.. دي كانت اللحظة اللي العيلة دي كلها جثت فيها على ركبها قدام الحقيقة. نهاية الجزء الأول والثاني.
بقلم انجي الخطيب