
ولا يقتصر الأمر على المحتاجين وحدهم فمشروع التكية هذا بات مدرسة للأجيال في عمل الخير “لقد ورثت حب التطوع هنا عن والدي” هكذا يقول أحد الشباب المتطوعين وهو يعبئ الحساء في أوعية المستفيدين عشرات الشبان والشابات من أهل الخليل يقضون ساعات يوميا في خدمة التكية دون مقابل يملؤهم شعور عميق بالرضا لأنهم جزء من هذه الرسالة النبيلة إنهم يرون في التكية ملاذا آمنا للشباب أيضا حيث يتعلمون قيمة العطاء والعمل الجماعي المنظم المتطوعون جنبا إلى جنب مع 8 طهاة متفرغين يشكلون فريقا متفانيا
ينسق بحرفية البعض يقطع الخضروات وآخرون يجهزون اللحم والخبز وآخرون يقفون عند نقاط التوزيع يرحبون بالمحتاجين بكلمات
طيبة وابتسامات حانية في الأعياد والمناسبات يزداد عدد المتطوعين بشكل لافت فالكل يرغب بالمشاركة في صنع الفرحة على موائد الفقراء
لقد نجحت التكية الإبراهيمية عبر نشاطها اليومي الدؤوب في تحقيق الأمان الغذائي لفئات واسعة من المجتمع الخليلي فأصبح الفقراء والمساكين يعلمون أن باب “أبو الضيفان” مفتوح لهم كل يوم وبأن لقمة العيش الأساسية مضمونة لا محالة هذا الشعور بالأمان قلص حالات التسول بحثا عن الطعام في شوارع الخليل إلى حد كبير فقلما تجد متسولا يطلب طعاما في هذه المدينة لأن الكل يعلم أين يمكنه أن يأكل مجانا بكرامة وهكذا تحولت التكية إلى صمام أمان يقي شر الجوع والفقر المدقع ويصون
كرامة الإنسان المحتاج عبر توفير احتياجه الأساسي دون منة أو إحراج
إن استمرار تكية سيدنا إبراهيم بهذا الزخم عبر نحو ثمانية قرون وقدرتها على إطعام الآلاف يوميا جعل من الخليل بحق مدينة لا يجوع فيها إنسان هذه المقولة لم تعد مجرد شعار بل واقع يشهد به أهل الخليل وكل من زارها
يصف أحد أبناء الخليل ويدعى محمد إبراهيم كيف تغيرت حياته بعدما فقد ساقيه في حادث وظروفه المعيشية يقول الرجل البالغ 48 عاما والذي يعيل أسرة من ثمانية أفراد “قبل سبع سنوات تعرضت لحادث أفقدني قدرتي على العمل فأصبحت عاجزا عن إطعام أسرتي لكن لم يطل الأمر حتى وجدت
التكية سندي صرت أحصل على طعام عائلتي كاملا سبعة أيام في الأسبوع من تكية الخليل” ويستطرد وعيناه تلمعان بالتقدير “نحن محظوظون هنا في الخليل الجميع يحصل على الغذاء الضروري ولن تجد فقيرا ينام جائعا في مدينة الخليل” كلمات هذا الأب تلخص حقيقة أصبح أهل الخليل فخورين بها وهي أن التكافل بينهم جعل مدينتهم نموذجا فريدا حيث الجوع ليس واردا رغم كل الفقر والمعاناة حولهم
لقد أصبح التكافل الاجتماعي في فلسطين متمثلا في أبهى صوره بهذه التكية ففي وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن حوالي 14 من سكان الضفة الغربية يقعون تحت خط الفقر
تبدو الخليل كواحة أمان بفضل تكاتف
أهلها وعندما اشتدت جائحة كورونا وازدادت معدلات البطالة والفقر كانت الخليل مستعدة بفضل هذا الإرث التكافلي نصف مليون وجبة وزعت في رمضان واحد كما أسلفنا مما يعني نصف مليون مرة قال فيها محتاج “الحمد لله شبعت اليوم” إن هذه النتائج ليست إلا قصة نجاح إنسانية تلهم الآخرين قصة مدينة انتصرت على شبح الجوع بالتراحم والتآزر
من اللافت أن هذا النجاح لم يكن ليتم لولا التجاوب الشعبي الواسع فالناس في الخليل يعتبرون التكية مسؤوليتهم جميعا لذا نراهم “يتسابقون إلى عمل الخير” كما يقول مدير التكية في رمضان مثلا ما إن يعلن حلول الشهر حتى يزدحم جدول التكية بأسماء المتبرعين الذين حجز
كل منهم يوما أو أكثر لتقديم وجبات إفطار فاخرة للمحتاجين
منهم من يتبرع بالخراف أو الدجاج ومنهم من يهدي كميات من الأرز والخضار وآخرون يدفعون الأموال لتتكفل التكية بتجهيز الوجبات هذا السخاء الجماعي أثمر بركة واضحة يشعر بها الجميع فالمجتمع المتراحم الذي لا يبيت فيه جائع هو مجتمع أكثر أمنا واستقرارا وتآخيا بلا شك
يقف خلف استمرارية التكية الإبراهيمية عبر الزمن جيش من أهل الخير ممن نذروا أموالهم وأوقاتهم لخدمة الفقراء فمنذ القدم اعتمدت التكية على نظام الوقف والتبرعات لم تكن لها ميزانية حكومية ثابتة بقدر ما كانت صدقات المحسنين هي غذاؤها وروحها
واليوم تدار التكية إداريا من
قبل وزارة الأوقاف الفلسطينية لكن مصاريفها كافة تأتي عبر تبرعات أهل المدينة وخارجها على حد قول مديرها لؤي الخطيب يصف الخطيب مشهدا يتكرر كل عام خصوصا في رمضان “منذ أول أيام شهر رمضان يتسابق أهل الخير على تقديم تبرعاتهم لإطعام الفقراء” لقد نظم القائمون على التكية جدولا بأسماء المتبرعين وأنواع تبرعاتهم فمثلا يوم الإثنين تبرع أحدهم بذبح عجول وطهيها ويوم الثلاثاء قدمت عائلة أخرى كميات من الخضار والأرز وهكذا دواليك لضمان تنوع الوجبات يوميا هذه المنافسة المحمودة بين المحسنين جعلت التكية واحة ممتدة العطاء لا ينضب خيرها بإذن الله
أما أفضل طرق التبرع التي يفضلها الناس هنا فهي تلك التي
تترك أثرا مستداما كثير من العائلات تخصص مبالغ دورية (شهرية أو سنوية) لتمويل مطبخ التكية كنوع من الصدقة الجارية وهناك من يوقف جزءا من أملاكه كعقار أو أرض ويوصي بأن يصرف ريعه على إطعام الفقراء في الخليل محييا بذلك تقاليد الوقف القديمة أي الاستثمار في الخير بشكل مؤسسي يجمع أهل الخليل على أن التبرع
للتكية من أنبل ما ينفق فيه المال فهي تسد حاجة ملحة وتغذي بطونا جائعة وتبث الطمأنينة في النفوس يقول أحد المتبرعين الدائمين “حين أرى قدور التكية تفور بالطعام الذي أسهمت فيه أشعر أن مالي حقق الغاية الأفضل فهذا المشروع بمثابة استثمار في الخير يعود ريعه بركة في الدنيا وثوابا في الآخرة” وبفضل هذا الحس الجمعي لا تمر مناسبة سعيدة في الخليل كنجاح أو زواج أو موسم حصاد إلا ويكون للتكية نصيب منها سواء بالتبرع بالأطعمة أو حتى بوليمة كاملة تهدى للفقراء تقربا لله وشكرا على النعم
وللمتطوعين حكاية مجد أخرى فهؤلاء الشباب والفتيات الذين يعملون ساعات طويلة في الطبخ والتنظيف
والتوزيع دون أي مقابل هم العمود الفقري لهذا المشروع كثير منهم ينظر للأمر كتدريب روحي وعملي على حد سواء فهم يكتسبون مهارات الطهي الجماعي وإدارة الكميات الكبيرة ويتعلمون معاني الصبر والتواضع وخدمة المجتمع في مشهد التكية اليومي قد لا تميز المتطوع من العامل بأجر فالكل يعمل بإخلاص وبسمة تعلو محياهم وقد أصبح التطوع في التكية جزءا من ثقافة المدينة تتناقله الأجيال كإرث اجتماعي ثمين والأمر لا يقتصر على الشباب فقط بل هناك متطوعات كبيرات في السن يساهمن في تقشير الخضار أو خبز العجين ورجال متقاعدون ينقلون أكياس الطحين والحبوب إلى المخازن كل يقدم ما يستطيع في مشروع مستدام لإطعام الفقراء وإغلاق
أبواب الجوع
مبادرات مشابهة في العالم الإسلامي
لم تكن فكرة التكايا وإطعام الفقراء حصرا على الخليل وحدها بل انتشرت تاريخيا في العديد من حواضر العالم الإسلامي اقتداء بهذا النموذج الرائد ويرجح بعض المؤرخين أن الخليل نفسها كانت صاحبة السبق في ابتكار هذه المنارات الخيرية التي اقتفت أثرها مدن أخرى فمثلا في القدس الشريف تأسست في العصر العثماني تكية خاصكي سلطان عام 1552م قرب المسجد الأقصى المبارك قامت السلطانة ركسيلانة (هرم سلطان) زوجة سليمان القانوني بإنشاء تلك التكية ووقف أوقاف هائلة لها شملت ريع أكثر من 90 قرية ومدينة لتأمين مواردها وإلى اليوم ما زالت تكية خاصكي سلطان في القدس
تعمل وتقدم الطعام المجاني للفقراء ورواد الأقصى خاصة في شهر رمضان وهي بذلك ثاني أقدم تكية في فلسطين بعد تكية الخليل العثمانية تاريخا وتذكر المصادر أن تكية القدس هذه كانت تطعم في الماضي مئات الفقراء يوميا وحديثا خلال شهر رمضان يستفيد منها نحو 500 شخص يوميا في القدس
وفي مدن أخرى من العالم الإسلامي ازدهرت تقاليد مشابهة ففي مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدت عبر التاريخ ما يعرف ب”الرباط” أو ” المطعم الخيري” لإطعام الحجاج وأبناء السبيل وفي القاهرة خلال العصر المملوكي والعثماني كانت هناك “موائد للأيتام والفقراء” تنصب في الساحات خاصة في رمضان تسمى “موائد الرحمن” لازال تقليدها قائما حتى
اليوم في مصر كما أقام العثمانيون شبكات واسعة من المطابخ الخيرية (تعرف باسم “إمامارات” أو “عمارة”) في مدنهم الكبرى كإسطنبول ودمشق وبغداد وكانت جزءا من الأوقاف الملحقة بالمساجد الكبيرة مثلا مطبخ السلطان سليمان القانوني في إسطنبول كان يطعم المئات يوميا ضمن مجمع سليمانية الشهير
أما في العصر الحديث فقد أحيت دول إسلامية عدة هذه الفكرة بمبادرات عصرية في الأردن تأسست عام 2003 “تكية أم علي” كمؤسسة غير حكومية مبنية على نموذج التكية التقليدي
أنشأتها الأميرة هيا بنت الحسين تخليدا لذكرى والدتها الملكة علياء وتعد أول مبادرة من نوعها لمكافحة الجوع في الأردن والعالم العربي تقدم “تكية أم علي” آلاف
الطرود الغذائية شهريا للأسر المحتاجة بالإضافة إلى وجبات ساخنة دورية معتمدة على التبرعات ووقف الطعام تماما كنهج تكية الخليل وفي دول أخرى كباكستان وإندونيسيا وتركيا تنتشر مطابخ الفقراء التابعة لجمعيات خيرية أو مساجد كبرى تطعم مئات المحتاجين يوميا خاصة أثناء الكوارث والأزمات الاقتصادية هذه المبادرات وإن اختلفت مسمياتها يجمعها هدف واحد هو إحياء سنة التكافل وإطعام الجياع دون مقابل