
نظرت بعيدًا، وكأنها تهرب من نظراتي، ثم قالت ببطء
بدأت أعمل عملًا لم أختره حقًا لكنه أصبح حياتي.
صمتت لحظة، ثم أضافت وهي بالكاد تنظر إليّ
وكل هذا المال هو ثمن ذلك.
لم أستطع الرد. كنت أنظر إليها فقط، أحاول أن أفهم.
تنهدت بعمق، ثم جلست، وكأنها استسلمت أخيرًا للكلام
قبل اثني عشر عامًا لم يكن لديّ شيء يا أمي. الفقر، الديون وحتى مرضك. كنت أبحث عن أي طريق.
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها موجعة
عندما تعرّفت إلى كانغ جون في البداية، ظننت أنه فرصة شخص يمكن أن يغيّر حياتي.
لكن الأمور لم تسر كما تخيّلت.
نظرت إليّ مباشرة
لم أكن زوجته لكنني لم أكن حرة أيضًا.
ابتسمت بمرارة
كان عليّ أن أكون كما يريد أن أبتسم حين يجب، وأن أصمت حين يجب وأن أستمر.
شعرت أن قلبي يُعصر، فسألتها بصوت مكسور
ماذا تقولين؟ اصمتي لا أريد سماع أي شيء؟
أومأت برأسها ببطء، وقالت
أعلم كم هو قاسٍ لكن إن لم أفعل، فمن أين سنحصل على المال؟ كيف كنت سأعالجك؟ وكيف كنا سنسدد الديون؟ لم يكن لديّ خيار آخر.
لم أشعر بدموعي وهي تنزل، كنت فقط أنظر إليها.
تابعت بصوت هادئ
هذا المنزل ليس كما يبدو. والمال الذي رأيته لم يُستخدم بعد. جزء منه كنت أرسله لك، والباقي محفوظ.
توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أثقل
هناك اتفاق إذا تركته قبل انتهاء الوقت المتفق بيننا قد أدخل السجن.
نظرت إليّ مباشرة، وكأنها تنتظر حكمي، ثم قالت
لم يتبقَّ سوى عامين.
شعرت بشيء ينفجر داخلي.
عامان وكأنها تقول لي إن ما تعيشه طبيعي.
لم أتمالك نفسي، وقلت بحدة حاولت أن أخفيها
وهذا ما اخترتِه يا فاطمة؟ هذا هو الطريق الذي رضيتِ به؟
خفضت عينيها، ولم تجب.
تابعت، وصوتي يرتجف بين الغضب والألم
أين كنتِ من ربك؟ أين كنتِ من نفسك؟ هذا الذي تعيشينه ليس حياة.
صمتت، وكأن كل كلمة تصيبها في مكان تعرفه جيدًا.
وفجأة، رنّ هاتفها.
نظرت إلى الشاشة، وتغيّر وجهها في لحظة، وعادت تلك الملامح الباردة التي لم أعرفها.
أجابت بسرعة
نعم أنا قادمة.
أغلقت الهاتف، ثم التفتت إليّ وقالت بصوت خافت
أمي عليّ أن أذهب الآن.
وقفتُ مكاني، أشعر أنني فقدت القدرة على الحركة، أراقبها وهي تتجه إلى غرفتها.
رأيتها ترتدي ملابسها بعناية، وتصفف شعرها، وتتحول في دقائق إلى تلك المرأة المثالية التي يُراد لها أن تكون كذلك.
لم أتمالك نفسي، وقلت بمرارة
هل يجب أن تكوني هكذا طوال الوقت؟
أومأت برأسها دون أن تنظر إليّ
تقريبًا.
رغم كل ما كان يشتعل في صدري من غضبٍ ورفض
ورغم أن ما سمعته كان أثقل مما أحتمل
كانت في النهاية ابنتي.
نظرت إليها للحظة ثم أدرت وجهي بصمت، واتجهت إلى المطبخ دون أن أقول شيئًا.
تحرّكت يداي وحدهما، أعددت طعامًا بسيطًا، كما كنت أفعل لها قديمًا، بنفس التفاصيل الصغيرة التي لم أنسها يومًا.
وضعت الطبق أمامي، ثم ناديتها بهدوء حاولت أن أخفي فيه كل ما بداخلي
تعالي كُلي أولًا.
لم يكن ذلك غفرانًا
ولا قبولًا
لكنه كان كل ما استطعت أن أقدّمه لها في تلك اللحظة.
جلست تأكل في صمت، وأنا أراقبها دون أن أشعر
أحاول أن أرى ملامح الطفلة التي ربّيتها خلف كل هذا التعب.
وفي داخلي، كان سؤال واحد يتردّد بلا توقف
كيف أُخرجها من هذا؟
بعد أن انتهت، وضعت الملعقة بهدوء، ونهضت.
قالت دون أن تنظر إليّ
أمي سأغادر.
لم أستطع الرد.
اكتفيت بالنظر إليها وهي تخرج مرة أخرى، كأنها تبتعد عني من جديد.
بعد أن اختفت، لمحت مفتاحًا صغيرًا على الطاولة.
ترددت لحظة ثم مددت يدي وأخذته.
صعدت إلى الطابق العلوي، ودخلت غرفة الأموال.
كان كل شيء كما هو صامتًا ومخيفًا.
وقفت لحظة، ثم اقتربت من خزانة صغيرة بجانب الجدار.
وضعت المفتاح وكان هو المفتاح الصحيح.
فتحتها ببطء.
في الداخل كان هناك ملف سميك.
أمسكته بيد مرتجفة، وبدأت أقرأ.
اسم فاطمة توقيعها
شروط طويلة قاسية بلا رحمة.
لا يحق لها المغادرة قبل انتهاء المدة.
وفي حال الإخلال تُلزم بإعادة كل الأموال
يُفرض عليها الحفاظ على صورة معينة
ويُمنع عليها أي ارتباط خارج هذا الإطار.
وللطرف الآخر الحق في اتخاذ الإجراءات القانونية إن خالفت.
شعرت أن أنفاسي تختنق.
اثنا عشر عامًا
وابنتي تعيش داخل قفص لا يُرى.
استندت إلى الحائط، أحاول أن ألتقط أنفاسي.
لم تكن تعيش بل كانت محبوسة.
وفجأة سمعت باب المنزل يُفتح.
نزلت مسرعة.
رأيته يقف في غرفة المعيشة.
طويل القامة يرتدي بدلة أنيقة ونظرته باردة بشكلٍ مخيف.
نظر إليّ، وسأل ببرود
من أنتِ؟
رفعت رأسي رغم ارتجافي، وقلت
أنا والدة فاطمة.
أومأ برأسه، وكأنه يعرف مسبقًا، ثم قال بهدوء
أعلم.
سكت لحظة ثم أضاف
سأهتم بالعقد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
سألته
من أنت؟
نظر إليّ مباشرة، وقال
كانغ جون.
في تلك اللحظة، فُتح الباب، ودخلت فاطمة.
تغيّر وجهها فورًا عندما رأتنا معًا.
اقتربت بسرعة، ووقفت بيني وبينه كأنها تحاول حمايتي منه.
ساد صمت ثقيل
ثم نظر إليها، وقال بهدوء قبل أن يغادر
تذكّري لم يتبقَّ سوى عامين.
ثم خرج.
بقيت واقفة مكاني
أنظر إلى ابنتي
وأدركت، في تلك اللحظة، أنني مهما غضبت ومهما رفضت
فأنا أيضًا عالقة معها في هذا الكابـ .ـوس.
في تلك الليلة نمنا معًا.
مرّت سنوات لم نقترب فيها هكذا
لكن هذه المرة لم يكن الصمت بيننا عاديًا.
نظرت إليها في الظلام، وقلت بصوتٍ خافت لكنه موجوع
يا فاطمة أما تعبتِ من هذا الطريق؟ أما خفتِ من غضب الله؟
ارتجفت قليلًا ولم ترد.
اقتربت أكثر، وقلت وأنا أكاد أبكي
هذا الذي تعيشينه حرام يا ابنتي طريق لا بركة فيه ولا راحة حتى لو امتلأت الدنيا مالًا.
غطّت وجهها بيديها وبدأ صوتها يخرج مكسورًا
أعلم يا أمي والله أعلم وكل يوم أقول سأترك لكنني خائفة من السجن..
خائفة ألا يتقبل الله توبتي
أمسكت يدها بقوة، وقلت بحزم ممزوج بالحنان
باب التوبة مفتوح ما دمتِ حيّة. لا تقولي تأخرت بل قولي سأبدأ الآن.
نظرت إليّ، وعيناها ممتلئتان بالدموع
وهل سيغفر الله لي؟
قلت دون تردد
ربك أرحم بكِ من نفسك فقط ارجعي إليه بصدق.
سكتت طويلًا
ثم انهارت باكية، كأنها تحمل كل تلك السنوات فوق صدرها.
تبتُ يا أمي أريد أن أخرج من هذا لكنني لا أعرف كيف.
ضممتها إليّ بقوة، وكأنني أعيدها إلى الحياة
لن أترككِ سنخرج معًا مهما كان الثمن.
في اليوم التالي، أخذتني إلى منزل صغير على أطراف المدينة.
قالت وهي تنظر إليه
كنت أؤجل كل شيء وأقول بعد انتهاء العقد سأبدأ من جديد
نظرت إليها وقلت بثبات
بل نبدأ الآن لا نؤجل التوبة.
بدأت الأيام التالية ثقيلة
ضغط اتصالات تهديدات غير مباشرة
لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
كانت تصلي تبكي تدعو
وأنا بجانبها أذكّرها وأثبتها كلما ضعفت.
حتى جاء اليوم الحاسم.
وقفت فاطمة بثباتٍ لم أعرفه فيها من قبل
ودفعت كل ما تملك لتُنهي ذلك القيد.
نظر إليها الرجل ببرود ثم قال
انتهى الأمر.
خرجنا
وكان الهواء مختلفًا.
وقفت فاطمة أغمضت عينيها ورفعت يديها إلى السماء، وهمست
الحمد لله نجوت.
عدنا إلى وطننا
لا مال كثير ولا مظاهر
لكن كان معنا شيء أهم
الراحة.
بدأت فاطمة حياة بسيطة
عمل شريف رزق قليل لكنه حلال.
وفي أحد الأيام رأيتها تصلي بخشوع
تبكي وتدعو
فعلمت أن قلبها عاد حيًا.
اقتربت منها، وقلت بهدوء
هل ندمتِ؟
نظرت إليّ وابتسمت ابتسامة خفيفة
ندمت على كل يوم بعيد عن ربنا لكنني أحمده أنه لم يتركني هناك.
أمسكت يدها، وقلت
التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وفي تلك اللحظة
أدركت أن ابنتي لم تكن ضائعة
بل كانت تنتظر من يمسك بيدها ويعيدها إلى الطريق.
فلا تجعلي وهمًا يُعمي قلبك
ولا تركضي خلف صورةٍ لا تعرفين حقيقتها
فبعض الطرق تبدأ بحلمٍ جميل
لكن نهايتها لا تُحتمل.
اللهم ثبّتنا ولا تجعلنا نُفتن بما نُحب
وردّنا إليك ردًا جميلًا.