
امى رفضت انى اتجوز البنت اللى بحبها واصرت اتجوز بنت اختى
وانا بصراحه لما لاقيت امى تعبانه وافقت اتجوز بنت خالتى وقولت لنفسى هى اولى بخدمه امى من الغريب
و مريم مراتى كانت شايله البيت وشايله انى وبتعملى جمعيات كانت ونعمه الزوجه بس انا مكنتش شايفها انا كنت بخطط للسفر
بعد سنه أمى م,,اتت وقتها قررت انى اتجوز البنت اللى بحبها واسافر معاها
سبت مراتى متعلقه وسافرت
سافرت وقفلت ورايا كل الأبواب، مسبتلهاش غير “حيطان” شقة خالية.. شقة خنقتها الذكريات والتعب اللي شافته فيها. كنت أناني لدرجة إني مخدتش بالي هي هتعيش منين؟
ولا هتجيب منين قرش يسندها وهي لوحدها؟ كل اللي كان في بالي وقتها هو “أنا” وحياتي الجديدة اللي رسمتها مع البنت اللي كنت فاكر إنها هي دي الدنيا.
مريم، اللي كانت بتعملي الجمعيات عشان تسندني، لقيت نفسها فجأة من غير سند، لا زوج، ولا فلوس، ولا حتى كلمة طيبة تبرد نــ,,ـــــار قلبها من الصدمة. سيبتها لمرارة الوحدة ولقسوة الأيام في شقة كانت هي اللي محلياها بصبرها وخدمتها لأمي.
كنت هناك، في الغربة، بضيع فلوسي وبحــ,,ـــــرق أيامي في سعادة مزيفة، وهي هنا كانت بتواجه مصيرها لوحدها. مريم مكنتش من النوع اللي بيشتكي، بس السكات بتاعها كان أقوى من أي صرخة.
بعد سنتين، الغمامة اللي كانت على عيني بدأت تتشال. البنت اللي كنت فاكر إني بمــ,,ـــــوت فيها، سابتني في أول أزمة مادية حقيقية مريت بيها هناك.. وقتها بس، والقرش قل في إيدي، افتكرت مريم. افتكرت الست اللي كانت بتشيل من لقمة بوقها عشان تديني.
رجعت بلدى وطلقت مراتى
نزلت من الطيارة وأنا حاسس إني غريب في بلدي، شنطة هدومي كانت خفيفة بس قلبي كان أتقل من جبل. أول ما رجعت، رجلي خدتني من غير تفكير لبيتنا القديم، البيت اللي سيبت فيه لحمي ودمي وصدمة عمري ما هعرف أمحيها.
وقفت قدام الباب، إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع المفتاح..
قولت لنفسي أكيد لسه هنا، مريم ملهاش حد غيرنا، هتروح فين؟ فتحت الباب براحة، كنت متوقع أشوف السواد والتراب، بس اتفاجئت بنضافة المكان وريحة بخور هادية مالية البيت، وكأن الروح مخرجتش منه أبداً.
دخلت الصالة، لقيت مريم قاعدة، بس مكنتش مريم اللي سيبتها مكسورة بدموعها. كانت لابسة لبس شيك، ملامحها فيها قوة وهيبة غريبة، وقدامها دفاتر وحسابات كتير. مريم اللي مكنتش بتعرف تخرج من باب الشقة لوحدها، كانت بتدير شغلها الخاص من قلب البيت.
أول ما عيني جت في عينها، ملقيتش العتاب اللي كنت خايف منه، لقيت “نظرة باردة” .تني أكتر من أي خناقة.
قامت وقفت بهدوء وقالتلي جملة واحدة نزلت عليا زي الصاعقة: “نورت بيتك يا ابن خالتي.. بس يا ريت تسيب المفتاح وأنت خارج، لأن الشقة دي مبقتش ملكك، أنا اشتريتها بفلوس شقايا وتجارتي اللي بدأتها من الصفر يوم ما أنت سيبتني من غير مليم”.
وقفت مكاني مشلول، مريم مكنتش مستنية ندمي، مريم كانت خلاص “عاشت” ونجحت، وأنا اللي رجعت أدور على مكان ليا في حياة مبقتش تخصني.
وقفت مريم قدامي، والثقة اللي في عينيها خلتني أصغر قدام نفسي مية مرة. مكنتش لسه مستوعب إزاي قدرت تعمل كل ده؟ قالتلي بلهجة مفيهاش ذرة شم,,اتة، بس فيها وجع مكتوم:
“يوم ما مشيت وسيبتني للحوائط، مكنش قدامي غير حلين، يا إما استنى عطف الناس، يا إما أقف على رجلي.. وأنا اخترت نفسي.”
حكتلي إنها مكسرتش نفسها لحد؛ راحت باعت نصيبها وورثها في بيت أبوها، ورثها اللي كانت شايلاه للزمن، وقررت تفتح بيه “مكتبة” صغيرة تحت البيت. في الأول كانت بتكافح عشان تجيب تمن البضاعة، بس بدعاء أمي اللي خدمتها بقلبها، المكتبة كبرت وبقت معروفة في المنطقة كلها، وبقت هي “ست الستات” اللي الكل بيعملها ألف حساب.
قالتلي: “الفلوس اللي كنت بتديهالي عشان أعملك جمعيات، مكنتش بتضيع، كنت بشيل منها قرش أبيض لليوم الأسود..
واليوم ده جه لما أنت سافرت.”
بصيت حواليا في الشقة، كانت كل ركن فيها بيحكي قصة صبرها وقسوتي. مريم اللي كنت فاكرها ضعيفة ومحتاجة لي، هي اللي طلعت السند لنفسها. سألتها وصوتي مخنوق: “يعني مفيش مكان ليا يا مريم؟ أنا ندمان، والندم بياكل فيا.”
ضحكت ضحكة وجع وقالت: “الندم ده ليك أنت، عشان يريح ضميرك، لكن أنا خلاص مابقاش عندي مكان لحد كسرني في عز احتياجي ليه. المكتبة دي هي اللي علمتني إن القلم اللي بيكتب حكايتي هو إيدي أنا، مش إيدك.”
طلعت من جيبها مفتاح تاني وحطته على التربيزة وقالت:
“تقدر تقعد في الشقة يومين لحد ما تشوف لك مكان، ده حق العشرة اللي بينا مش أكتر، وبعدها كل واحد من طريق.”
أخدت المفتاح من على الترابيزة وإيدي بتترعش، كنت حاسس إن المفتاح ده وزنه أتقل من كل الشنط اللي شلتها في الغربة. بصيت لها وكنت عايز أقول كلام كتير، عايز أقولها إني كنت أعمى، وإني عرفت قيمتها، بس لسان “الندم” دايماً بيبقى تقيل.
مريم سابتني ودخلت أوضتها، قفلت الباب بهدوء، والقفلة دي كانت كأنها حكم بالإعدام على أي أمل كان جوايا. قعدت في الصالة، البيت اللي كان في يوم ملكي، وبقيت حاسس إني فيه “ضيف غلس”.
نزلت الصبح بدري، وقلت لازم أشوف المكتبة اللي مريم حكت عنها. وقفت بعيد أراقبها من غير ما تحس.. شوفت مريم تانية خالص. واقفة وسط الكتب والأدوات المكتبية، بتتعامل مع الموردين بكلمة مسموعة، والناس داخلة خارجة تسلم عليها باحترام “يا ست مريم”. كانت ملامحها منورة، كأن الوجع اللي عيشتهولها بقى هو الوقود اللي خلاها تنور وتنجح.
قربت من المكتبة بخطوات مهزوزة، ولما شافتني، ملامحها متغرتش، فضلت محافظة على هدوئها. قولت لها بصوت واطي: “مريم.. أنا شوفت المكتبة، ومكنتش متخيل إنك هتقدري تعملي كل ده لوحدك.”
بصت لي وهي بتسلم زبون حاجته وقالت لي ببرود:
“الوحدة مابتقويش يا ابن خالتي، الحاجة هي اللي بتقوي. لما لقيت نفسي مسؤولة عن شقة وعن اسمي وعن لقمة عيشي، كان لازم أكون أد المسؤولية.. اللي يسيب مراته ‘متعلقة’ زي ما عملت، ميسألش هي عملت إيه، يسأل نفسه هو عمل فيها إيه.”
الكلمة كانت زي السكــ,,ـــــينة. في اللحظة دي، دخل واحد المكتبة، شاب مهذب باين عليه الاحترام، حط شنطة على المكتب وقال لها: “يا ست مريم، دي الطلبية اللي طلبتيها من المطبعة، وفي ورق محتاج إمضاءك.”
مريم مالت بتركيز تمضي، وأنا واقف زي “التمثال”، ماليش دور ولا مكان، حتى الورق اللي بيمضوه ماليش حق أعرفه.
حسيت وقتها إن السفر مكنش مجرد طيارة وبلد تانية، السفر كان خروج من حياتها للأبد.